التواضع، ذلك الكنز المجهول
بقلم: الريح عبد القادر محمد عثمان




ليس التواضع أن تحاول أن تخفي عظمتك، بل أن تكون متأكداً في قرارة نفسك أنك لست عظيماً؛
وليس التواضع أن تتنازل عن سامي قدرك؛ بل أنْ تتيقن أن التراب أصلك، والدود سيرتع في جسدك، بل أن التراب أطهر مما يخرج منك في حياتك، وأطيب مما يتحول إليه لحمك بعد مماتك؛

وليس التواضع أن تقلل من مقامك، بل أن تظل متأكداً أنك ما بلغت منصباً بحولك، وما حزت متاعاً بقوتك، وما كسبت علماً بجدارتك؛
ليس التواضع أن تشعر بأنك كبير فتتصاغر، أو طويل فتتقاصر، بل أن تدرك أنك، في مُلك الله، مثل ذرة هباء، وإنك متلاشٍ، وكل الناس، وكل الخلق، متلاشون.
وليس التواضع أن تنزل من عُلاك لتجالس من هم دونك؛ بل أن تدرك في كل لحظة أنك قد تكون أدنى من جميع من حولك، وأنك لولا فضل الله عليك لربما أتى عليك يومٌ تتمنى أن تكون أحقر دابة على وجه الأرض؛

وليس التواضع حالة تتقصمها ثم تنكص عنها، أو قميصا ترتديه ثم تخلعه متى شئت؛
فإنما التواضع رواء القلب، وما بارح التواضعُ قلباً إلا أجدب أقفر.
التواضع هو محتوى الإيمان، ومعنى الإخلاص، وجوهر العبودية.
التواضع في القلب عبودية، وفي الجوارح عبادة:
ولا تكون العبودية إلا كاملة، لأن الله لا يقبل عبودية ناقصة؛
أما العبادة فإن العبد يأتي منها قدر طاقته، إذ "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها".


إذن فليس التواضع عملا تعمله لتظهر به تواضعك، بل هو علمٌ بحقيقة أمرك، ومعرفة بكنه ذاتك، ووعي بنواقصك؛
التواضع أن تحس التواضع في نفسك وأمامها أولاً ليأتي تواضعك صادقاً حين تجسده عبادةً في تعاملك مع الناس؛
التواضع أن تدرك أنك ضعيف، ومحتاج، وجاهل، وضال، وظالم لولا رحمة الله بك؛
التواضع أن تدرك أنك لا حول لك، ولا قوة لك، ولا قدر لك، ولا فضل لك على أحد؛
التواضع أن تدرك أنّ "لا إله إلا الله" لم تترك لك من الأمر شيئاً: لا مِلكاً ولا مُلكا، ولا شراكة، ولا حولاً ولا قوة، ولا فضلا ولا قدرا، ولا عظمة ولا كبرياء.

التواضع أن تعرف أنه لا كبير في الكون إلا خالقه، ولا عظيم فيه إلا بارئه.
التواضع أن تتذلل للخالق، فلا تخنع للمخلوقين؛ وأن ترى الله أحداً فرداً صمداً في عليائه، وأن ترى المتعاظمين من الطغاة والظالمين على حقيقتهم: مخلوقات كأمثال الذر يطؤهم الناس يوم القيامة.

إن كنت تشعر أنك عظيم لكنك تتنازل فتتضاءل، وكبير ٌ ولكنك تتقاصر وتتصاغر، ففي داخلك إذن كِبر، ومن شاب قلبه الكبر فقد تطاول ليشارك الله رداء عظمته وإزار كبريائه، وما فعل ذلك أحدٌ إلا أخذه الله أخذ عزيز مقتدر.
ومعيار التواضع ألا تسعى لجاه أو شهرة أو رئاسة؛
وألا تتملق ذا جاه أو شهرة أو رئاسة؛
وألا تعتقد أنك بالرئاسة تزدان، وتزداد مكانة، أو بالمال ترتفع مقاماً، أو بالشهرة تسمو قدرا؛

ومعيار التواضع أن تحب في الناس أخلاقَهم وأعمالهم ومبادئهم، لا أشكالهم ومناصبهم وشهرتهم.

ثم إن التواضع ألا تظن أنك متواضع، فتكون مغروراً؛
وألا تقول أنك متواضع، فتكون فخورا؛
وألا توحي بأنك متواضع، فتكون مرائياً؛
واعلم أن مَن قال تواضعتُ فقد تكبر، ومن ظن أنه وصل إلى التواضع فقد ضل الطريق إليه؛
التواضع أمر تسعى إليه ما حييت، ولا تعتقد لحظةً أنك بلغته؛
إنْ اعتقدت أنك حققت التواضع، فقد دخل العجب في قلبك، وأفرحت الشيطان ويسرت مهمته.

التواضع علم ومعرفة ووعي:
علم بحقيقة أمرك ومعرفة بصفات ربك
ووعي بحقيقة كل المخلوقين؛
وهو مخ عقيدتك وبيان إخلاصك؛
وهو تفسير عبوديتك، ومصداق عبادتك؛
وهو جماع الفضائل كلها، وهي بدونه مجرد رياء وسمعة؛
وهو جوهر دينك، وجِماع أخلاقك، ونبراس جميع معاملاتك.

"من تواضع لله رفعه".
التواضع شرطٌ، والرفعةُ جوابُه؛
وعدٌ من الله الذي لا يخلف الميعاد،
على لسان رسوله الصادق الأمين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.