هذه مسألة لطيفة من مسائِل أصول الفقه والجدل الفقهي .
ومسائِل الجَدل الفقهي وقواعده من مُهمَّات مسائِل العلم ، وهي من فروع أصول الفقه بمعناه الواسع ، ومن أمثلته : إثبات القياس في الأسماء ، وتعليل الأحكام بالأسماء ، ونحو ذلك من المسائل .

ومسائِل الجدل الفقهي كثيرة وواسعة ، لأن أدلة المجتهدين كثيرة أيضاً ، فقد حَصر القرافي (ت:684هـ) تعالى أدلة الإجتهاد في تسعة عشر دليلاً ، يمكن الوقوف عليها في كتابه ” شرح تنقيح الفصول ” ، ومنها الإستدلال مَحلُّ المناقشة هنا .

وقاعدة ( لا يجوز ردُّ الأخبار بالاستدلال ) ، نقلها الإمام ابن تيمية (ت: 728هـ) تعالى عن الإمام ابن عقيل الحنبلي(ت: 513هـ) تعالى . وقد وردَ النقل في كتاب المُسوَّدة لآل تيمية . تعالى .

وهذا نصُّ كلامه : “عن ابن عقيل : إنَّ المحققين من العلماء يمنعون مِن ردِّ الأخبار بالاستدلال، ومثَّل له بردِّ خبر القهقهة؛ استدلالاً بفضل الصَّحابَة المانع من الضحك، وكذلك لو شهدَتْ بيِّنةٌ عادلة على معروف بالخير بإتلافٍ أو غصبٍ، لم تُردَّ شهادتهم بالاستبعاد ، ومثَّل أيضًا لردِّ الخبر بالاستدلال ، بردِّ عائشةَ قولَ ابن عباس في الرؤية بقولها: لقد قفَّ شعري، قال: فردَّتْ خبرَه بالاستدلال” فلم يعوِّل أهل التحقيق على ردِّها” .

وقد عقَّب شيخ الإسلام على ذلك قائلاً: “ردُّ الأخبار بالاستدلال لا يَجُوز؛ لأن السند يأتي بالعجائب، وهي من أكثر الدلائل لإثبات الأحكام ” .

ومن طالع كتب مقالات المتكلمين عموماً ، وكتاب” البرهان ” للجويني (ت: 478هـ ) تعالى على وجه الخصوص ، لاحظ هذه المسألة في كثير من فصوله ومباحثه .

ولأنني لم أقف على من حرَّر هذه المسألة ، فهذا تقريب مُيسَّر للنصِّ المتقِّدم وأحكام المسألة ، اسأل الله أن ينفع به :

1- المقصود بالردِّ : المنع والحظر والإبطال ، وقد يكون المنعُ قائماً على دليل من الوحيين ، أو على قاعدة كلية مستنبطة من أصل شرعي . ولا يصح أن يكون المنعُ ناتجاً عن إستدلال عقلي محض أو قياسٍ منطقي أو عرفي، أو بقول متبوعٍ مشهور، فهذا لا إعتبار له في هذا الباب . فتنبَّه .

2- ابن عقيل صاحب التقعيد الوارد هو : علي بن عقيل بن محمد البغدادي الظفري الحنبلي (ت :513 هـ ) . علَّامة مُتكلِّم مُحقِّق ، ًكان مُعتزلياً ثم تاب وأشهد على توبته ، والتزم جادَّة السلف. كانت له صولات وجولات مع العلماء والمُتكلِّميين والمناطقة . من أشهر مؤلفاته : ” الواضح في أصول الفقه ” و” الجدل على طريقة الفقهاء ” .

3- الأخبار : يُقصد بها الأحاديث المتواترة بصفة عامة وأخبار الآحاد بصفة خاصة . وعند المحققين : كل حديث خبر من غير عكس . فالخبر عند المُحدِّثين مرادف للحديث .

4- الإستدلال معنى واسع . ويحتاج إلى تحريرٍ لبسطه وتقييِّد معانيه .فالمناطقة يُعرِّفونه بأنه استنتاج قضيةٍ مجهولةٍ من قضية معلومة ، كما أفاده الميداني(ت:1425هـ ) تعالى في كتابه ” ضوابط المعرفة “. والمُتكلِّمون يُعرِّفونه بأنه: نظر القلب المطلوب به علم ما غاب عن الضرورة والحِس ، كما أفاده الباقلاني(ت: 403هـ) تعالى في كتابه ” الإنصاف ” .

أما عند الأصوليِّين فمنهم من عرَّفه بتعريف المناطقة وزاد عليه ، ومنهم من عرَّفه بتعريف المتكلِّمين وزاد عليه ، ومنهم من عرَّفه بتعريفٍ لأحد أنواع الإستدلال : كالقياس والحكم والدليل ونحو ذلك .
وأجمع التعريفات الأصولية للاستدلال في نظري ثلاثة . الأول : تعريف ابن حزم (ت: 456هـ) تعالى “طلب الدليل من قبل معارف العقل ونتاىجه أو من قبل إنسان يعلم ” . ينظر ” الإحكام في أصول الأحكام ” ( 1/ 37) . الثاني : تعريف ابن الحاجب(ت: 646هـ ) تعالى حيث قال : ” نوع من الأدلة هو المطلوب . وقيل كل دليلٍ ليس بنصٍ ولا إجماعٍ ولا قياس علة “. الثالث : تعريف الطوفي(ت: 716هـ ) تعالى حيث قال : ” طلب الحكم بالدليل من نصٍ أو إجماعٍ أو قياسٍ . وقد يُطلق على ما أمكن التوصُّل به إلى معرفة الحكم وليس بواحدٍ من الأدلة الثلاثة ” . ينظر ” شرح مخنصر الروضة “(1/ 34) .

فتعريف ابن حزم معناه تحفيز النفسِ للبحث عن الحق في المسألة بالفهم والتُؤدة وبأدوات العلم الصحيحة ، وليس مُراده الاحتجاج بالعقل، بل المراد الإستعانة بأدوات الفهم لتحصيل الحكم الصحيح على ميزان الشريعة .

وتعريف ابن الحاجب معناه بذل الجهد في الوقوف على الحكم بالنص أو بالإجماع أو بالقياس المُعلَّل . ولا يكون ذلك إلا بمفاتيح الإستنباط المعروفة عند المحققين وليس بالتشهِّي أو التكلُّف .
وقد يُستعاض عن هذ الطرق بحجج أخرى غير الثلاثة المذكورة، وهي النص والإجماع والقياس، وسيأتي توضيح ذلك في أدنى المقال .

وتعريف الطوفي ليس ببعيد عن تعريف ابن الحاجب لكنه زاد عليه عبارة طلب الحكم ، ومعناه بذل الوسع في استخراج الحكم التكليفي والتقصِّي عن مكامنه بالوجه الشرعي .

وللطوفي تعريف آخر للإستدلال في كتابه ” علم الجَذَل في علم الجدل ” حيث قال عنه : “المعنى الدال على الحكم على وجهٍ لا يكون نصًا ولا إجماعاً ولا قياساً ” .
فهذه الزيادة منه توضيح بأن معنى الاستدلال عند بعض الأصولييِّن مُطلق وليس مقيداً بأدلة محصورة مقررة عند السامع .

وهناك جماعة من الأصولييِّن يجعلون الاستدلال خمسة أنواع : التلازم بين الحكمين من غير تعيِّين علة . والاستحسان ، والمصالح المرسلة ، وشرع من قبلنا ، واستصحاب الحال . انظر : ” مختصر ابن الحاجب” (ص/ ) و” الإحكام ” للآمدي ( 1/ 136) .

5-لو تأملنا في مصنفات الأحناف الأصولية لأدركنا أنهم يُوسِّعون مفهوم الاستدلال ليعم الأدلة غير المتفق عليها ، فمثلاً كتاب ” الفصول ” للجصاص(ت: 370هـ ) تعالى يقصر فيه مُؤلِّفه مفهوم الاستدلال على طلب الدلالة والنظر فيها للوصول الى العلم بالمدلول . وكذلك الحال في كتاب ” البديع” لابن الساعاتي (ت: 694هـ) تعالى حيث أفاد أن الاستدلال دليلٌ ليس بنصٍ ولا إجماعٍ ولا قياس علةٍ . وكذلك في كتاب ” التحرير ” لابن الهمام (ت:861هـ) تعالى فقد وضَّحه بقوله : ” الاستدلال ما ليس بأحد الأربعة.. ” . يقصد بالأربعة الأدلة المجمع عليها : الكتاب والسنة والاجماع والقياس .

وفائدة هذا الربط أن الاستدلال لا يكون دائماً عندهم بدليل شرعي، بل قد يكون بدليل جدلي منطقي.

6-الأحناف المُتقدِّمون – في الجملة – كانوا يَدرسون القواعد الأصولية على فتاوى عُلمائهم ، فكانت الفتوى عندهم كالدليل يُقاس عليه ويتُحاكم إليه . وهذا واضح في مصنفاتهم مثل “مآخذ الشرائع ” لأبي منصور الماتريدي (ت:330هـ) تعالى و “أصول الجصاص ” لأبي بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي (ت:370هـ) تعالى ، و”تقويم الأدلة” و” تأسيس النظر ” لأبي زيد الدبُّوسي (ت:430هـ) تعالى، و” تمهيد الفصول في الأُصول ” لشمس الأئمة أبي سهل محمد بن أحمد السرخسي (ت:490هـ) تعالى و” أصول فخر الإسلام ” علي بن محمد البزدوي (ت:483هـ) تعالى ، ويُسمَّى كتابه ” أصول البزدوي” ، وقد شرحه عبد العزيز البخاري (ت:730هـ) ” تعالى ، بعنوان “كشف الأسرار على أصول البزدوي” ، وكتاب “المنار” لعبد الله بن أحمد المعروف بحافظ الدين النسفي (ت:710 هـ) رحمه الله تعالى .

ويُستفاد مما تقدَّم أن ردُّ الأخبار بالإستدلال – في العموم – مسألة جدلية بحتة بين الأحناف والشافعية ، وسبب الخِلاف هو التباين بين المذهبين في النظر إلى الآثار والأقيسة .
فالشافعية في الغالب أهلُ حديث ، والأحناف غالبهم أهل رأي . ولهذا قال بعضُ أهل التراجم : كُّل شافعيِّ أشعري وكُّل حنفي ماتريدي .

وللتقريب فإن الإمام الطحاوي (ت:321هـ ) تعالى كان شافعياً ، ثم بسبب خلافٍ مع من تولَّى المذهب الشافعي من بعد الإمام ، صار حنفياً مُتعصِّباً. وهو الفيصل في الدِّفاع عن الأحناف فقهاً وحديثاً. والإمام يحيى ابن معين (ت: 233هـ ) تعالى كان مُتعصِّباً لرأي أبي حنيفة ، حتى روي عنه أنه انتقص الشافعي، كما نَقل عنه الحاكم .

وجاء عن ابن مَعين أنه سُئل: تَرى أن ينظر الرجل في رأي الشافعي، أو رأي أبي حنيفة؟ قال: “ما أرى لأحدٍ أن ينظر في رأي الشافعي، ينظر في رأي أبي حنيفة أحبُّ إلي” ! .

7- يُستنتج من مجموع ما تقدَّم أن المُحققَّين الذين قصدهم ابن عقيل ، هم أهل الدليل المُعظِّمين للسُّنة وطريق السلف في الترجيح والاستنباط ، سواء كانوا شافعيةً أو أحنافاً أو حنابلةً أو مالكيةً أو ظاهريةً ، أو غيرهم . وأن أهل الردِّ للسُّنن والأخبار من المُتكلِّمين وأهل القياس والمُنظِّرين لتعميم قاعدة الاستحسان وأتباع منطق أرسطو الجدلي ، لا يجوز تصحيح منهجهم هذا لأنه باب فتنة للعبث بالنصوص وفتح للتأويل المطلق الذي يكون من لازمه تحريف الأدلة .

8-المناظرات المذهبية التي كانت سائدة في القرن الرابع الهجري ، أفرزت العديد من الأفكار والميول والإتجاهات الفكرية والعقائدية وقد كان ابن عقيل الحنبلي شاهداً وحاضراً على بعضٍ منها في بغداد أو خارجها .

ومن طالع مصنفات ابن عقيل وعلى وجه الخصوص كتابيه ” الواضح في اصول الفقه ” و” الجدل على طريقة الفقهاء” لاحظ المَلكة العلمية في استخراج الأجوبة على المعضلات الكلامية والردِّ على الطوائف المخالفة . فهذا يدلُّ على تشبُّعه بمسائل الجدل الفقهي وعُمقه في فهمها . وقد يأتي يوم من الأيام يبحث الناس فيه عن من يُحسن هذا العِلم فلا يجدون ، لقلة المعتنين به وبأساليبه .
فيلزم كُّل مشتغل بالفقه والأصول إدمان النظر في كتب الجدل الفقهي ومعرفة ما يصقل الملكة العلمية ، وتقويم بقية المسائل بحسب رتبتها وقوتها .

9- بعض المسائل التي تَرِدُ في كتب أصول الفقه وفي كتب الجدل والمناظرة ، قد تكون مرقومة على سبيل المناقشة والتدريب وتنمية المهارة العلمية وتقويتها ، لا على سبيل الإقرار والتقعيد ، فقد تكون في أصلها مناقشات ، لكنها مع الوقت توسعت إلى مناظرات ومخالفات .

ولهذا كان محمد بن الحسن الشيباني(ت: 189هـ)حمه الله تعالى يصف أبا حنيفة (ت: 150هـ) تعالى في مجالس العلم فيقول : ” إن أصحابه كانوا يُنازعونه المقاييس ، فإذا قال استحسن لم يلحق به أحد ” .

ومن ناحيةٍ أُخرى صح عن أبي حنيفة تعالى : ” لا تأخذوا بمقاييس زُفر، فإنكم إن أخذتم بمقاييسه حرَّمتم الحلال وحَلَّلتم الحرام” .

10- قاعدة لا يجوز ردُّ الأخبار بالاستدلال ، هي توضيح لمقالة الإمام الشافعي (ت: 204هـ) تعالى : ” من استحسن فقد شرَّع ” . يعني منع الاستدلال بدون أصل كتابٍ ولا سنةٍ ولا إجماعٍ .لكن الاستحسان إذا كان قائماً على أصلٍ فلا حرج فيه ، كما في الإستصحاب والقياس والإجتهاد عند الأصولييِّن .

11-كان الإمام أحمد (ت:241هـ ) تعالى يقول لأصحابه : ” ضعيف الحديث أقوى من الرأي ” ، وكان الإمام الشعبي(ت: 100هـ) تعالى يوصي طُّلابه أن يَبُولوا على رأيه إن وجدوا ما يخالفه من نصٍ أو إجماعٍ . فأين طُّلاب العلم اليوم عن هذه البصائر النُّورانية ؟! .

والأمثلة كثيرة على عناية العلماء قديما بتربية طلاب العلم على احترام هيبة السُّنن ، وعدم ردِّها بميل النفس أو الرغبة في المخالفة.

12- تطبيقات هذه المسألة عريضة وواسعة ، ويمكن مطالعتها وملاحظتها في ” قواطع الأدلة “للسمعاني (ت:426هـ) رحمه الله تعالى، ، وأيضاً في ” درء تعارض العقل والنقل ” و” الردِّ على المنطقيين ” لابن تيمية (ت: 728هـ) تعالى وفي ” إعلام الموقعين ” لابن القيِّم (ت:751هـ ) رحمه الله تعالى ، وفي ” الإجابه لما استدركته عائشة على الصحابة ” للزركشي (ت:794هـ) تعالى، وفي تعقُّبات ابن حجر (ت:852هـ) تعالى للأحناف والمُتكلِّمين ، في ” النُّكت على كتاب ابن الصلاح ” و ” فتح الباري شرح صحيح البخاري ” ، وفي كتب الجدل والمناظرة بعمومها .
وختاماً لمن أعياه المقال ، فإن ردَّ الأخبار بالرواية جائزٌ ، وردَّ الأخبار بالإستدلالِ غيرُ جائزٍ .والله الهادي .

هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )

http://ahmad-mosfer.com/1663