متى يقوم المصلي عند إقامة الصلاة ؟
مذاهب الفقهاء في المسألة:
اختلفت أقوال الفقهاء في هذه المسألة بين من أطلق القيام والاستجابة للمؤذّن عند إقامة الصلاة ولم يقيّده بغير المبادرة أو الاستطاعة وبين من حدّد وقت قيام المصلين، ثمّ اختلفوا في هذا الوقت المحدّد إلى أقوال شتّى ومذاهب عدّة هي: أوّل الإقامة ، عند سماع قول المؤذّن (حيّ على الصلاة)، عند سماع (قد قامت الصلاة)، آخر الإقامة.
وسنحاول في هذا الموجز ذكر هذه المذاهب مقرونة بشيء من أدلتها ومحاولة مناقشته وبيان الراجح منها...
ملاحظة:
ينبغي التنبيه إلى أنّ الخلاف المذكور ها هنا في قيام النّاس عند سماع ألفاظ الإقامة والإمام حاضر معهم، أمّا في حالة غيابه فلا قيام حتى يروه وإن أقيمت الصلاة لحديث أبي قتادة رضي الله قال : قال رسول الله "إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي" رواه البخاري (637) ومسلم (604) وفي رواية لمسلم : "حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ ."

المذهب الأوّل:
يقوم المأموم إذا شرع المؤذن في الإقامة أي بدايتها وهو مذهب عمر بن عبد العزيز ومحمد بن كعب وسالم والزهري وعطاء وأبي قلابة وهو رواية عن الشافعي ومذهب داود الظاهري [انظر الاستذكار 1\392]... روى عبد الرزاق [1 / 506] أن عمر بن عبد العزيز بعث إلى المسجد رجالا: إذا أقيمت الصلاة فقوموا إليها [صحّح الشيخ الألباني سنده في تمام المنة]
قال ابن عبد البرّ في الاستذكار: "وقد ذكرنا في التمهيد بالأسانيد عن عمرو بن مهاجر قال رأيت عمر بن عبد العزيز ومحمد بن كعب القرظي وسالم بن عبد الله وأبا قلابة وعراك بن مالك الغفاري ومحمد بن مسلم الزهري وسليمان بن حبيب يقومون إلى الصلاة في أول بدء الإقامة . قال وسمعت عمر بن عبد العزيز يقول إذا سمعت النداء بالإقامة فكن أول من أجاب" اهـ [الاستذكار لابن عبد البرّ (463هـ) تحقيق: سالم محمد عطا ومحمد علي معوض. دار الكتب العلمية بيروت 1421هـ 2000م. 1\391]
وروى سعيد بن منصور من طريق أبي إسحاق عن أصحاب عبد الله [بن مسعود ] وعن سعيد بن المسيب قال إذا قال المؤذن الله أكبر وجب القيام وإذا قال حي على الصلاة عدلت الصفوف وإذا قال لا إله إلا الله كبر الإمام. [فتح الباري 2\120]
لعلّ أهمّ ما يستدل به لمن قال بهذا الرأي أنّ المبادرة إلى الخير مستحبة وهي تقتضي القيام إلى الصلاة عند أوّل شروع المؤذّن في إقامة الصلاة.
وقد يجيب المخالف أنّ مقتضى إجابة المؤذّن في الإقامة إنّما هو قوله: (حيّ على الصلاة) أو قوله (قد قامت الصلاة)، ولا موجب للقيام في أوّل الإقامة.
كما قد يجيب المخالف أنّ المسألة هنا ليست متعلقة بالمبادرة إلى القيام للصلاة بقدر ما هي متعلقة بتحديد وقتٍ بعينه لهذا القيام في أوّل الإقامة أو آخرها أو عند سماع لفظ مخصوص من ألفاظها...
كما استدل أصحاب هذا المذهب بالآثار المتقدمة. لكن هذه الآثار لا تخلو من مقال من حيث دلالتها وحجيّتها.
فأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز – على سبيل المثال - لا يَبعُد أن يكون متعلقا بمن يتأخر عن القيام للصلاة بعد الإقامة ما يؤدي إلى اختلاف المسلمين في صفوفهم بما يحدثونه من فجوات وثغرات... فمثل هذا الصنيع من شأنه أن يهِّمَ الخليفة فيعمل على إزالته وإلزام النّاس بتركه، أمّا حملهم على اختيار فقهي اجتهادي ظنّي مثل تحديد قيام المصلين ببداية الإقامة أو عند قوله قد قامت الصلاة كما ثبت عنه من وجه آخر [الاستذكار 1\391] فبعيد... وفي التفصيلات التي رواها سعيد بن منصور – إن صحّت – تكلّف وبعد ظاهر، خاصة وأنّ الإقامة يستحبُّ فيها الاسترسال والإدراج. فهل يستطيع المأموم والأمر كذلك أن يقوم في أوّلها وتسوية الصفوف عند قول المؤذّن قد قامت الصلاة ليكبّر الإمام في آخرها وقد قام النّاس واستوت الصفوف... هذا بعيد الحصول وعسير على الشباب القويّ فضلا عن كبار السنّ ...

المذهب الثاني:
يقوم المأموم عند سماع قول المؤذّن: حيّ على الصلاة
هو مشهور مذهب أبي حنيفة .
روى أبو يوسف في الآثار عن أبي حنيفة عن طلحة عن إبراهيم النَّخَعيِّ أنّه قال: "إذا قال المؤذِّنُ: حيَّ على الفلاح، قامَ القومُ في الصفوف..." [كتاب الآثار، لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة الأنصاري (المتوفى: 182هـ)، تحقيق: أبو الوفا. دار الكتب العلمية – بيروت ص19]
يبدو والله أعلم أنّه اجتهاد من إبراهيم النّخعي وأبي حنيفة والصاحبين ومن قال بهذا القول، من جهة إجابة المؤذّن والقيام للصلاة عند أوّل لفظ في الإقامة يقتضي ذلك، وهو قوله (حيّ على الصلاة)؛ فإنّ ما قبل قوله (حيّ على الصلاة) إنّما هي أخبار وأوّل طلب في الإقامة هو (حيّ على الصلاة) والاستجابة إنّما تكون عند الطلب لا الإخبار.
وفي هذا شيء من التكلّف؛ لأنّ الإقامة كلّها برمّتها دعوة إلى القيام، كالأذان يستجاب له عند سماعه ولم يقل أحدٌ من الفقهاء إنّما يُتوجّه للصلاة والمسجد عند قول المؤذّن حيّ على الصلاة... بل من سمِع الأذان عقد العزم والنية وقصد أو همّ إلى العمل المطلوب منه وهو أصل الصلاة أو صلاة الجماعة في المسجد على الخلاف المشهور...

المذهب الثالث:
يقوم المأموم عند سماع قول المؤذّن (قد قامت الصلاة)
هو قول أنس بن مالك - في رواية عنه - والحسن بن علي وعطاء والحسن البصري وابن سيرين والنخعي وهو قول ابن المبارك ومذهب أحمد وزفر وإسحاق.
دليلهم الأوّل أثر أنس بن مالك فإنّه عمل صحابي جليل في مسألة تعبّدية والأصل في التعبّد التوقف ما يرجح أن يكون لهذا الأثر حكم الرفع، ثمّ إنّه لا يُعلَم له مخالف من الصحابة ما يقوي حجيّته وقد تنسب له صفة الإجماع السكوتي.
لكن يُعترض عليه بما يأتي:
إنّ قول أنس لا يخلو من احتمال كونه صادراً عن اجتهاد منه؛ خاصة وقد ثبت عنه خلاف ذلك إذ علّق قيام المأموم برؤية الإمام لا بألفاظ المؤذّن [فيما رواه عنه أبو داود الطيالسي في مسنده، انظر: الثمر المستطاب الألباني (ت 1420هـ) دار غراس للنشر والتوزيع 1422 هـ . 1\229]
وهو مخالف لظاهر السنّة؛ ألا تر قول رسول الله : "لا تقوموا حتى تروني" أنّه أناط القيام برؤية الإمام ولو كان يشترط شيئا آخر غير ذلك لبيّنه، خاصة وأنّه في موضع تعليم يقتضي البيان والتفصيل...
ثمّ إنّ هذه المسألة ممّا تعمّ بها البلوى، ولو كان هذا الاشتراط من أنس وهذا التحديد الدقيق صحيحا لاشتهر وانتشر بين الصحابة ، بل ولاستفاض العمل به في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ونحن نعلم أنّه لم يكن كذلك في زمن الإمامين الزهري وسالم بن عبد الله ولا في زمن الإمام مالك عليهم رحمة الله أجمعين.
وفي الاستذكار عن ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال سمعت الزّهري يقول : "ما كان المؤذّن يقول قد قامت الصلاة حتى تعتدل الصفوف" [1\391]. والمؤذّن الذي عناه الزهري هو مؤذّن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
وممّا قد يستدل به لأصحاب هذا القول أنّ لفظ (قد قامت الصلاة) هو اللفظ الذي يقتضي القيام للصلاة أكثر من باقي ألفاظ الإقامة؛ لموافقة لفظه ومطابقته معنى القيام.
ويجاب عن هذا الاستدلال بكون الإقامة كلّها دعوة للقيام وليس لفظ منها بخصوصه، وهي في ذلك كالأذان فهو بمجموع ألفاظه دعوة للصلاة وإعلاما بدخول الوقت لا لفظ من ألفاظه دون سواه...
ورواية الاستذكار عن ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن الزّهري قد يفهم منها البعض المبادرة إلى القيام عند قول المؤذّن قد قامت الصلاة أو قبل ذلك، لكن التأمل في النّص والنظر فيه يشير إلى غير ذلك، فإنّ ظاهره إنّما يستفاد منه مبادرة القوم إلى إجابة المؤذّن والقيام للصلاة حتى أنّه كان لا يكاد يصل إلى قوله (قد قامت الصلاة) حتى يكون المأمومون قد أخذوا مصافّهم وسووا صفوفهم وليس فيه ما يدلّ على تخصيص القيام بقول المؤذّن قد قامت الصلاة ولا بقوله الله أكبر ولا غيرها من ألفاظ الإقامة... والله اعلم.

المذهب الرابع:
القيام عند الانتهاء من الإقامة، وهو مشهور مذهب الإمام الشافعي ونسبه الحافظ ابن حجر للأكثرين. [ابن حجر الفتح 2\120] وقال النووي: " أما حكم المسألة فمذهبنا أنه يستحب للإمام والمأموم أن لا يقوما حتى يفرغ المؤذن من الإقامة فإذا فرغ قاما متصلا بفراغه قال القاضي أبو الطيب وبهذا قال مالك وأبو يوسف وأهل الحجاز وأحمد وإسحاق."اهـ [المجموع شرح المهذّب للإمام النووي (676هـ) مع تكملة السبكي والمطيعي. دار الفكر بيروت 3\253]
وممّا قد يستدلّ به لهذا الرأي اشتغال المأمومين بالاستماع للمؤذّن وإجابته وترديد ألفاظ الإقامة...فإذا انتهى من ذلك بادر بالقيام والإجابة ... وهذا كلام حتى وإن قيل بوجاهته فإنّه مجرد ظنّ يحتمل الخطأ والصواب والله أعلم.
خاصة وقد ثبت عن جماعة من السلف القيام قبل فراغ المؤذّن من الإقامة بل كان ذلك هو العمل المشهور المستفيض في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلّم قبل مالك .

المذهب الخامس:
ليس للقيام وقت محدد ، بل يجوز للمصلي القيام في أول الإقامة ، أو أثناءها ، أو آخرها . وهو مذهب المالكية وجماعة من السلف.
قال الإمام مالك في الموطأ: "وأمّا قيام النّاس حين تقام الصلاةُ، فإنّي لم اسمع في ذلك بحدٍّ يقام له، إلاّ أنّي أرى ذلك على قدرِ طاقةِ النّاسِ، فإنّ منهم الثقيل والخفيف، ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد." [الموطأ، دار الفكر بيروت . كتاب الصلاة باب ما جاء في النداء للصلاة ص61]
وفي الاستذكار وقال فرقد السبخي للحسن أرأيت إذا أخذ المؤذن في الإقامة أأقوم أم حتى يقول قد قامت الصلاة فقال الحسن أي ذلك شئت [1\391]
إنّ استدلال أصحاب هذا المذهب قائم على عدم وجود نصٍّ قطعي الدلالة والثبوت يحدد وقت قيام المأموم أثناء إقامة الصلاة، فجعلوا ذلك بحسب استطاعة ونشاط المصلي، فإنّهم يتفاوتون في ذلك...
وهذا القول على وجاهة استدلاله؛ إذ لا يصحّ تعبيد النّاس بشيء يفتقر للدليل الصحيح الصريح. إلاّ أنّه بدوره لا يخلو من مقال، أوّله أنّ المبادرة للخير مستحبة ومطلوبة فالقول بعدم الحدّ، إنّما يصحّ إذا قصد بالحدّ المخصوص في عين هذه المسألة أمّا الحدّ المستوحى من النصوص العامة فموجود كنحو قوله تعالى سارعوا إلى مغفرة وقوله عزّ وجلّ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون

الترجيح:
• ابتداء دعنا نقرّر أنّ المسألة خلافية اجتهادية وأدلّتها ظنية محتملة، ولهذا اختلفت فيها المذاهب وتعدّدت الآراء، بل تعدّدت الروايات عن بعض السلف فهذا أنس يروى عنه التقييد بلفظة إقامة الصلاة ويروى عنه التقييد برؤية الإمام وعمر بن عبد العزيز بأوّل الإقامة وبآخرها ومثل ذلك عن قتادة وعطاء وعمر بن عبد العزيز واختلفت أقوال الفقهاء حتى داخل المذهب الواحد كالحنفية (بين أبي حنيفة وزفر مثلا) والحنابلة (والخلاف عندهم مشهور انظر فتاواهم المعاصرة) والشافعية (انظر المجموع للإمام النووي) والمالكية (عن مالك في المسألة روايتان) وقد ترجم الإمام البخاري للمسألة بسؤال: (باب متى يقوم النّاس إذا رأوا الإمام عند الإقامة ؟) وفي هذا إشارة إلى ظنّيتها واختلاف السلف فيها... قال ابن حجر في الفتح: "قيل أورد الترجمة بلفظ الاستفهام لأن قوله في الحديث لا تقوموا نهي عن القيام وقوله حتى تروني تسويغ للقيام عند الرؤية وهو مطلق غير مقيد بشيء من ألفاظ الإقامة ومن ثم اختلف السلف في ذلك كما سيأتي" [دار المعرفة بيروت 1379هـ 2\119]
والناظر في أدلّة القوم يجدها دون استثناء فيها وجه من الحقّ والصواب لكنّه لا يخلو من مقال...
• إنّ المسائل الفقهية المشتركة بين عموم المسلمين كمسائل الأذان والإقامة والصوم والفطر والأعياد... ونحو ذلك. ليست من المسائل التي ينبني الترجيح فيها على مجرد النظر في الأدلة، بل الأمر يتجاوز ذلك إلى عرف النّاس وما يُعمل به في بلد المفتي والمستفتي.
وسأذكر مثالا لذلك هو – كما أراه – في غاية الجلاء والوضوح، وهو اختلافهم في صفة الأذان... هل يكبّر المؤذّن مرتين أم أربعا وهل يعيد الشهادتين – بما يعرف بالترجيع – أم لا ؟ ...
فقد ذهب الإمام الشافعي إلى استحباب واختيار تربيع التكبير والترجيع.
وذهب أبي حنيفة إلى استحباب واختيار تربيع التكبير بلا ترجيع.
وذهب الإمام مالك إلى اختيار واستحباب تثنية التكبير بالترجيع.
وذهب كلّ من الحسن البصري وابن سيرين إلى اختيار تثليث الشهادتين والحيعلتين.
وإذا كان كلّ مذهب من هذه المذاهب قد استند إلى أدلّة من سنّة النبيّ صلى الله عليه وسلّم، ورجّح مذهبه واختياره بما ذكروه من قبول الزيادة أو قوة السنّد أو تأييد الحديث باستفاضة العمل ... وغيرها من قواعد الترجيح...فإنّ السبب الأوّل وراء هذه الاختيارات هو موافقة كلّ إمام من الأئمة مذهبَ بلده وعرفه، فهو لا يريد مخالفة قومه، لا يريد أن يشوّش عليهم دينهم ويعكّر عليهم صفو عبادتهم، خاصة وأنّ جلّ هذه الصفات صحيحة... والترجيح فيما بينها اجتهادي ظنّي لا يرقى للقطع واليقين...
فالإمام الشافعي المكي اختار أذان مكة.
والإمام أبو حنيفة الكوفي اختار أذان الكوفة.
والإمام مالك المدني اختار أذان المدينة.
والإمامان الحسن وابن سيرين البصريان اختارا أذان البصرة.
فكذلك ينبغي لنا في المسائل التي يشترك فيها أهل بلد أن لا نختار لأنفسنا ما يخالفهم ويثير الشبه في عبادتهم بل نختار ما يوافقهم ويحافظ على عرفهم ما دام هذا العرف صحيحا ... أو ما دامت المسائلة ظنية اجتهادية .
لهذا أرى والله أعلم أنّ الراجح أن نأخذ بمذهب مالك في هذه المسألة حتى لا نُدخِل على النّاس ما يشوّش عليهم عبادتهم، وهذا بخلاف العبادات الخاصة فإنّ الطالب الذي يحسن النظر في الأدلة يستطيع أن يختار لنفسه ما يتعبّد به ربّه شريطة أن لا يؤثر ذلك في مجتمعه بالسلب.
والله أعلم بالحقّ والصواب وصلّ اللهم على محمد وآله وصحبه وسلّم.
أخوكم:
فتحي بودفلة.