وبعد :
كتابُ اللهِ له في عرف الشّرعِ اسمان "قُرْآنٌ" و"قُرَانٌ".
فقد قرأ جمهور العشرة قوله تعالى شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ [البقرة:185] مهموزًا ساكنَ الراء.
وقرأ ابنُ كثيرٍ المكّيِّ "قُرَان" بترك الهمز تخفيفًا ونقل حركة الفتح إلى السَّاكِنِ قبلها. وقد وافقه حمزةُ الزَّيات الكوفي وَقْفا.
فإن قيل: "قُرَان" غيرُ مخفّفٍ من "قُرْآن" وكلٌّ منهما يرجع إلى أصل لغوي مختلف، أجيبَ من أوجه:

الأول: أنّ حمزةَ الزَّيات قَرَأَ (قُرْآن) وصلًا و(قُرَان) وقفًا والقراءَةُ واحدة.

الثاني: أنَّ حَملَ القراءتين على معنًى واحدٍ أحسنُ وأَوْلَى كما قَرَّرَهُ مكِّيُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ عَطِيَّةَ وابنُ تَيمِيَةَ والسّمينُ الحَلبي والمعلمي اليَماني.

الثالث: أنّه لا اختلافَ بين لفظي "قُرْآن" و"قُران"، وإنّما الاختلافُ في صفةِ النُّطقِ لا غير.
قال ابن تيمية: «وأما ما اتّحدَ لَفظُهُ ومعناه وإنّما يَتَنَوَّعُ صِفَةُ النُّطقِ به كالهمزاتِ والمدّاتِ والإمالاتِ ونقلِ الحَركاتِ والإظهارِ والإدغامِ والاختلاسِ وترقيقِ اللّاماتِ والرّاءاتِ أو تغليظِها ونحوِ ذلك مما يُسمَّى القراءات الأصول، فهذا أظهر وأبين في أنّه ليس فيه تناقضٌ ولا تضادٌ مما تَنَوَّعَ فيه اللّفظ أو المعنى؛ إذ هذه الصفاتُ المتنوِّعَةُ في أداءِ اللّفظ لا تخرجه عن أن يكون لفظًا واحدًا ولا يُعَدُّ ذلك فيما اختلفَ لفظه واتّحد معناهُ أو اختلفَ معناه من المُترادف ونحوِه».