أقسام الحديث الضعيف باعتبار اختلال ضبط الرواة
جمع وإعداد: فتحي بودفلة
توطئة:
لا نزال في محور الحديث عن أقسام النصوص والآثار باعتبار القبول الردّ، وقد تقدّم في الفصل الذي سبق هذا، الكلامُ عن أقسام الحديث الضعيف باعتبار القدح في اتّصال السند، ونتحدث في هذا الفصل عن أقسامه باعتبار الإخلال بضبط الرواة.
وأذكّر ها هنا أنّ الحديث الضعيف بهذين القسمين - ما كان سببُ ضعفِه اختلالَ الاتصال أو اختلالَ الضبط - يصلح للاستشهاد دون الاحتجاج، ويصلح للمتابعة، ويمكن تقويته، وهو الصنف الذي اختلف المحدثون في حكم روايته.... وهذا بخلاف القسم الثالث من أقسام الحديث الضعيف وهو ما كان سبب ضعفه متعلقا بعدالة الراوي، وهذا الصنف الأخير لا يجوز الاستشهاد به ولا الاحتجاج ولا استعماله في المتابعات ولا يتقوّى بحال من الأحوال...
وأصناف الحديث الضعيف باعتبار ضبط الرواة كثيرة، سنحاول في هذه الخلاصة تتبع أشهر هذه الأصناف، مع التنبيه إلى أنّ كثيرا من هذه الأصناف متداخل مع أصناف أخرى خاصة إذا اجتمعت هذه العلل مع تعمّد الرواة وقصدهم تصحيح أحاديثهم وترغيب النّاس فيها. ثمّ إنّ بعض ما سنذكره عبارة عن علل للحديث من جهة ضبط الرواة وحفظهم وليست أسماء ومصطلحات لأقسامٍ من الحديث مخصوصة... فلننتبه لذلك.

1. الحديث المضطرب:
تعريفه: الحديث المضطرب هو الذي اختلفت روايته سندا أو متنا بحيث لا يمكننا الجمع أو الترجيح بين هذه الاختلافات.
شروطه:
· تعدد روايات الحديث
· اختلاف روايات الحديث
· تساوي روايات الحديث من حيث القوة والضعف
· عدم إمكانية الجمع والترجيح بين روايات الحديث (وهو مقتضى شرط التساوي)
قال الحافظ العراقي:
مُضْطَرِبُ الحَدِيثِ: مَا قَدْ وَرَدَا ... مُخْتَلِفاً مِنْ وَاحِدٍ فَأزْيَدَا
في مَتْنٍ اوْ في سَنَدٍ إنِ اتَّضَحْ ... فِيْهِ تَسَاوِي الخُلْفِ، أَمَّا إِنْ رَجَحْ
بَعْضُ الوُجُوْهِ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرِبَا ... وَالحُكْمُ للرَّاجِحِ مِنْهَا وَجَبَا
كَالخَطِّ للسُّتْرَةِ جَمُّ الخُلْفِ ... والاضْطِرَابُ مُوْجِبٌ للضَّعْفِ.
[شرح ألفية العراقي (806هـ) للسيوطي (911هـ) بتحقيق أبي حفص شادي بن محمد سالم. دار ابن حزم بيروت 1429هـ 2008م ص174]
وقال ابن الصلاح: "المضطربُ من الحديث: هو الذي تَختلِفُ الروايةُ فيه، فيرويه بعضُهم على وجهٍ، وبعضُهم على وجهٍ آخرَ مخالفٍ له. وإنما نسميه مضطربًا إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجَّحتْ إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحْفَظَ أو أكثرَ صحبةً للمرويِّ عنه، أو غيرَ ذلك من وجوه الترجيحات المعتمَدة، فالحُكمُ للراجِحةِ، ولا يُطلَقُ عليه حينئذٍ وصفُ المضطرب، ولا له حُكْمُه" [مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح لسراج الدين البلقيني (805هـ) على ابن الصلاح (643هـ) بتحقيق عائشة بنت الشاطئ ص269]
أقسامه:
· قُسِّمَ باعتبار موضع الاضطراب إلى ثلاثة أقسام: الاضطراب في متن الحديث، والاضطراب في سنده والاضطراب في المتن والسند معا.
· وقُسِّم الاضطراب في السند باعتبار حقيقته وماهيته إلى ستّة أقسام هي:
Ø تعارض الوصل والإرسال
Ø تعارض الوقف والرفع
Ø تعارض الاتصال والانقطاع
Ø أن يروي الحديث قوم مثلا عن رجل عن تابعي عن صحابي، ويرويه ذلك الرجل عن تابعي آخر عن الصحابي بعينه.
Ø زيادة رجل في أحد الإسنادين
Ø الاختلاف في اسم الراوي ونَسَبه إذا كان مترددا بين ثقة وضعيف. [شرح فن مصطلح الحديث ص130]
والحقّ أنّ هذه القسمة أريد بها تصنيف وتنظيم الغالب في الاضطراب الذي يطال السند لا حصرها فيها؛ إذ يمكننا إضافة أقسام أخرى كالتعارض بين القطع والرفع، وإنقاص رجل من السند مع إمكانية الاتصال...
· وقُسِّمَ باعتبار تفرّده وتعدّده في الحديث الواحد إلى ما كان فيه الاضطراب واحدا وما كان متعددا: فقد يقع الاضطراب من راوٍ واحدٍ أو أكثر من راوٍ، كما قد يقع في المتن من جهة واحدة أو متعدّدة...[التقريب والتيسير للنووي ص45، شرح فنّ مصطلح الحديث للتبريزي على الشريف الجرجاني ص130]
أمثلة:
Ø حديث الخطّ، رواه أبو داود، وابن ماجه من طريق إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده حريث، عن أبي هريرة، مرفوعا: "إذا صلى أحدكم، فليجعل شيئا تلقاء وجهه" الحديث، وفيه: "فإن لم يجد عصا ينصبها بين يديه، فليخط خطا"
الحديث ضعّفه جماعة من الأئمة والحفاظ بعلّة الاضطراب منهم الشافعي والبيهقي وابن حجر والنووي وابن عبد البرّ ومثّل به للمضطرب كلٌّ من العراقي وابن الصلاح والسيوطي. قال السيوطي: "اختلف فيه على إسماعيل اختلافا كثيرا: فرواه بشر بن المفضل، وروح بن القاسم عنه هكذا. ورواه سفيان الثوري عنه، عن أبي عمرو بن حريث، عن أبيه، عن أبي هريرة. ورواه حميد بن الأسود عنه، عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو، عن جده حريث بن سليم، عن أبي هريرة. ورواه وهيب بن خالد، وعبد الوارث، عنه، عن أبي عمرو بن حريث، عن جده حريث. ورواه ابن جريج عنه، عن حريث بن عمار، عن أبي هريرة. ورواه ذواد بن علبة الحارثي عنه، عن أبي عمرو بن محمد، عن جده حريث بن سليمان. قال أبو زرعة الدمشقي: لا أعلم أحدا بينه وبين نسبه غير ذواد. ورواه سفيان بن عيينة عنه واختلف فيه على ابن عيينة: فقال ابن المديني: عن ابن عيينة، عن إسماعيل، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حريث رجل من بني عذرة. ورواه محمد بن سلام البيكندي، عن ابن عيينة، مثل رواية بشر بن المفضل، وروح. ورواه مسدد، عن ابن عيينة، عن إسماعيل، عن أبي عمرو بن حريث، عن أبيه، عن أبي هريرة. ورواه عمار بن خالد الواسطي، عن ابن عيينة، عن إسماعيل، عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حريث بن سليم هكذا." انتهى كلام السيوطي. [التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح للحافظ العراقي (806هـ) تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان المكتبة السلفية المدينة 1389هـ 1969م. ص126، تدريب الراوي 1\309-310]
Ø حديث أبي بكر أنّه قال: يا رسول الله أراك شِبتَ ؟ قال صلى الله عليه وسلّم: "شيّبتني هود وأخواتُها" قال الدراقطني: " هذا مضطرب فإنّه لم يرد إلاّ من طريق أبي إسحاق (أي السبيعي) وقد اختلف فيه على نحو عشرة أوجه، فمنهم من رواه عنه مرسلا، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، وغير ذلك، ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متعذر." [الوجيز في علوم الحديث ونصوصه لمحمد عجاج الخطيب قصر الكتاب البليدة (د ت) ص219] .
Ø حديث فضالة بن عبيد " أنّه اشترى قَلادة يوم خيبر باثنيْ عشرَ دينارا، فيها ذهب وخَرَز، قال: فَفَصّلتُها فوجدتُ فيها أكثر من اثني عشرَ ديناراً فذكرتُ ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلّم فقالَ: لا تُباعُ حتّى تفصّل" قال الشيخ العثيمين: "ففي بعض الروايات أنّ فضالة اشتراها، وفي بعضها أنّ غيره سأله عن شرائها، وفي بعض الروايات أنّه ذهب وخرّز، وفي بعضها ذهب وجوهر، وفي بعضها خرز معلقة بذهب، وفي بعضها باثني عشر دينارا، وفي بعضها بتسعة دنانير، وفي بعضها بسبعة." [مصطلح الحديث للشيخ العثيمين دار الإمام مالك الجزائر الطبعة الأولى 1423هـ 2003م ص19]
مصنفات في خصوص الحديث المضطرب: صنّف فيه الحافظ ابن حجر كتابا سماه "المقترب في بيان المضطرب" قال أحمد بن أحمد المتبولي (1003هـ) في مقدمة شرحه على الجامع الصغير للسيوطي :"أفاد وأجاد، وقد التقطه من كتاب العلل للدراقطني" [الباعث الحثيث 1\223، تدريب الراوي 1\314] ولأحمد بن عمر بازمول (معاصر) كتاب بالعناون نفسه نشر دار ابن حزم بيروت 1422هـ 2001م.
2. الحديث المدرج:
تعريفه: هو الحديث الذي يلحق متنه ما ليس منه. قال الإمام الذهبي: " هي ألفاظٌ تقعُ من بعض الرواة متصلةً بالمَتْن، لا يبِينُ للسامع إلا أنها من صُلْبِ الحديث" [الموقظة ص53]
حكمه: الإدراج ضُعفٌ بالنظر إلى أصل المتن الذي أضيف إليه؛ لأنّه ليس منه. وقد يصحّ أصل هذا المتن بغير إدراج، كما قد يصح المدرج بغير إضافته إلى أصل المتن المدرج فيه.
قال ابن الصلاح: "وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ شَيْءٍ مِنَ الْإِدْرَاجِ الْمَذْكُورِ"
أقسامه: وقد جعله ابن الصلاح في مقدمته أربعة أقسام [علوم الحديث ص95...]
إدراجٌ في كلام النبوّة، إدراج متن في متن متفقي الإسناد، إدراج متن في متن مختلفي الإسناد، إدراج أسانيد بينها اختلاف وروايتها على أنّها واحدة ومتفقة.
· القسم الأوّل : " ما أدرج في حديث رسول الله من كلام بعض رواته، بأن يذكر الصحابي أو من بعده عقيب ما يرويه من الحديث كلاما من عند نفسه، فيرويه من بعده موصولا بالحديث غير فاصل بينهما بذكر قائله، فيلتبس الأمر فيه على من لا يعلم حقيقة الحال، ويتوهم أن الجميع عن رسول الله ."
ومثاله: مَا رُوِّينَاهُ فِي التَّشَهُّدِ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُرِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: " قُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ فَذَكَرَ التَّشَهُّدَ، وَفِي آخِرِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا قُلْتَ هَذَا فَقَدَ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ "، هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو خَيْثَمَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُرِّ، فَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: فَإِذَا قُلْتَ هَذَا إِلَى آخِرِهِ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ، لَا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والدليل على الإدراج رواية "الثِّقَةَ الزَّاهِدَ" عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُرِّ ، و رواية الحُسَيْن الْجُعْفِيّ وَابْنِ عَجْلَانَ وَغَيْرِهُمَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُرِّ عَلَى تَرْكِ ذِكْرِ هَذَا الْكَلَامِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ،وَرَوَاهُ شَبَابَةُ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ فَفَصَلَهُ أَيْضًا.
· القسم الثاني: " أن يكون متن الحديث عند الراوي له بإسناد إلا طرفا منه، فإنه عنده بإسناد ثان، فيدرجه من رواه عنه على الإسناد الأول، ويحذف الإسناد الثاني، ويروي جميعه بالإسناد الأول."
ومثاله: حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَزَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي آخِرِهِ: أَنَّهُ جَاءَ فِي الشِّتَاءِ، فَرَآهُمْ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ ". وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ صِفَةَ الصَّلَاةِ خَاصَّةً، وَفَصَلَ ذِكْرَ رَفْعِ الْأَيْدِي عَنْهُ، فَرَوَاهُ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ."
· القسم الثالث: "أَنْ يُدْرِجَ فِي مَتْنِ حَدِيثٍ بَعْضَ مَتْنِ حَدِيثٍ آخَرَ، مُخَالِفٍ لِلْأَوَّلِ فِي الْإِسْنَادِ."
ومثاله: " رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَنَافَسُوا... " الْحَدِيثَ. فَقَوْلُهُ: " لَا تَنَافَسُوا " أَدْرَجَهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ مِنْ مَتْنِ حَدِيثٍ آخَرَ، رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ: " لَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا ".
· القسم الرابع: أَنْ يَرْوِيَ الرَّاوِي حَدِيثًا عَنْ جَمَاعَةٍ، بَيْنَهُمُ اخْتِلَافٌ فِي إِسْنَادِهِ، فَلَا يَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ، بَلْ يُدْرِجُ رِوَايَتَهُمْ عَلَى الِاتِّفَاقِ.
ومثاله: رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ الْعَبْدِيِّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ وَوَاصِلٍ الْأَحْدَبِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قُلْتُ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ. . " الْحَدِيثَ. وَوَاصِلٌ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ بَيْنَهُمَا
وذهب كلٌّ من أحمد شاكر والشيخ الألباني رحمهما الله إلى كون الإدراج لا يقع إلاّ في المتن، وجعله في الباعث الحثيث ثلاثة أقسام؛ إدراج في أوّل المتن وإدراج في وسطه وإدراج في آخره وهو أكثره، [الباعث الحثيث 1\225-231...، وانظر: شرح المنظومة البيقونية للعثيمين ص120...] ومثّل لها بما يأتي:
· الإدراج في أوّل المتن: ويكون سببه في الغالب أن يذكر الراوي حكما ثمّ يستدل على ذلك بمتن الحديث، ومثاله: حديث أبي هريرة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: "أسبغوا الوضوء، ويلٌ للأعقاب من النّار" فالمرفوع هو قوله صلى الله عليه وسلّم: "ويل للأعقاب من النّار" وأمّا قوله: "أسبغوا الوضوء" فهو من كلام أبي هريرة . بيّنت الإدراج رواية البخاري عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: أسبغوا الوضوء فإنّ أبا القاسم صلى الله عليه وسلّم قال: "ويلٌ للأعقاب من النار". قال الخطيب: "وَهِمَ أبو قطن وشَبابَةُ في روايتهما له عن شعبة على ما سُقناه، وقد رواه الجمُّ الغفير عنه كرواية آدم." [الباعث الحثيث1\225]
· الإدراج في وسط المتن: ويكون سببه في الغالب شرح وتفسير بعض الرواة لكلمة في وسط المتن دون التمييز بين الشرح وأصل المتن، ومثاله حديث الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أنّها قالت: أوّل ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلّم من الوحي الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح، ثمّ حُبّب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبّد الليالي ذوات العدد..." الحديث رواه البخاري وغيره وما جاء في وسط الحديث: "وهو التعبّد" من كلام الزهري وليس من كلام عائشة فهو بذلك مدرج في الحديث. [انظر الفتح لابن حجر 1\23، الباعث الحثيث 1\227]
· والإدراج في آخر المتن: ويكون سببه في الغالب أن يذكر الراوي متن الحديث ثمّ يردفه ويُتْبِعه بحكم أو قول دون التفريق بين أصل المتن وما أردفه وأتْبعه به، ومثاله حديث أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "إنّ أمتي يدعون يوم القيامة غرّا محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل." فقوله: "من استطاع أن يطيل غرته فليفعل" من كلام أبي هريرة أراد أن يرغّب أصحابه ويحضّهم على العمل بسنّة الغرّة والتحجيل التي ذكرها أوّلا في متن الحديث.
مصنفات في تتبع المدرجات:
صنّفَ فيه الخطيبُ أبو بكر كتابَه " فَصْلُ الوَصْلِ لما أدرج فِي النَّقْلِ" قال ابن الصلاح: "فشفى وكفى" وقال ابن كثير: "وهو مفيد جدّا" [المقدمة 98، مختصر علوم الحديث من الباعث 1\224] وللسيوطي كتاب "المــَدرج إلى المــُدرج" وللمحدث عبد العزيز بن محمد بن الصديق الغماري الطنجي المغربي تحقيق وتعليقات عليه طبعت باسم "تسهيل المدرج إلى المدرج نشر دار البصائر دمشق 1403هـ 1982م.
3. الحديث المقلوب:
تعريفه: هو إلحاق إسنادٍ بغير متنه أو تغيير متن بمتن أو إسناد بإسناد. [انظر: النكت على المقدمة للزركشي (794هـ) 2\299]
أقسامه: جعلها الحافظ ابن حجر في النكت على ابن الصلاح [2\864] ثلاثةَ أقسام هي:
· القلب في الإسناد.
· القلب في المتن.
· القلب في الإسناد والمتن.
أسبابه: من أسباب القلب السهو والوهم والاختلاط، وهذا هو النوع الذي يصنّف في خانة الحديث الضعيف من قِبَلِ القدح في ضبط الرواة، وقد يكون من أسباب القلب امتحان الرواة في ضبطهم وحفظهم، وقد يكون السبب طلب الإغراب وتصحيح المتون الضعيفة بنسبتها لأسانيد صحيحة أو تصحيح الأسانيد الضعيفة بنسبتها لمتون صحيحة. [انظر المَنهل الرّوي في مختصر علوم الحديث النبوي لبدر الدين بن جماعة (733هـ) بتحقيق محيي الدين عبد الرحمن رمضان دار الفكر دمشق ط2، 1406هـ 1986م ص53، فنّ مصطلح الحديث للشريف الجرجاني (816هـ) وشرحه للتبريزي (900هـ) بتحقيق أحمد مصطفى قاسم الطهطاوي دار الفضيلة القاهرة 2003م ص131-132]
حكمه: الحديث المقلوب ضعيف، وقد يصح إذا اكتشف القلب وردّ إلى أصله، وتعمّد القلب كذب على الرواة، يوجب القدح في العدالة، وقد يصل بصاحبه إلى اتّهامه بوضع الحديث والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
أمثلة:
· مثّل له ابن الصلاح بقصة الإمام البخاري لمّا قدِم بغداد، فأرادوا أن يمتحنوا حفظه وعلمه فعمدوا إلى مائة حديث وقلبوا متونها وأسانيدها، ثم عرضوها وألقوها عليه، فسمعها جميعَها مقلوبةً، حتّى إذا فرغوا منها أعادها عليها بصفتها التي رووها مقلوبة ثمّ بيّن علّة القلب فيها وردّ كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، فأذعنوا له بالحفظ والعلم والتقدّم والفضل.
· روى الخطيب من طريق أحمد بنِ منصور الرماديّ قال: "خرجت مع أحمدَ بنِ حنبلٍ ويحيى بنِ معينٍ إلى عبدِ الرزاق، فلما عدنا إلى الكوفة، قال يحيى بنُ معين لأحمد بنِ حنبل: أريدُ أن أمتحنَ أبا نعيمٍ فنهاه أحمدُ، فلم ينتهِ، فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثا من حديثِ أبي نعيمٍ، وجعل على رأس كلِّ عشرةَ أحاديثَ حديثاً ليس من حديثِه، ثم أتينا أبا نعيم فخرجَ إلينا فجلسَ على دكانٍ حُذاءَ بابِه وأقْعدَ أحمدَ عن يمينه ويحيى عن يساره وجلستُ أسفلَ، فقرأ عليه يحيى عشرةَ أحاديث وهو ساكتٌ ثم الحادي عشر، فقال أبو نعيم: "ليس هذا من حديثي فاضْرِبْ عليه"، ثم قرأ العشرة الثانية وقرأ الحديث الثاني، فقال: "هذا أيضا ليس من حديثي فاضرب عليه"، ثم قرأ العشرة الثالثة وقرأ الحديث الثالث، فتغيّرَ أبو نعيم، ثم قبض على ذراع أحمد فقال: "أما هذا فورعُه يمنعه عن هذا"، "وأما هذا" وأومأ إليَّ "فأصغرُ من أن يعمل هذا، ولكن هذا من عملِكَ يا فاعل" ثم أخرج رجله فرفس يحيى بنَ معين وقلبه عن الدكان وقام فدخل داره، فقال له أحمد: "ألم أنهك؟ وأقل لك أنه ثبت؟ "، فقال له يحيى: هذه الرفسة أحبُّ إلي من سفري."
· ومثّل له بما روي عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى الطَّبَّاعِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي "، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى فَأَتَيْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ: وَهِمَ أَبُو النَّضْرِ [يقصد: جريرَ بنَ حازمٍ] إِنَّمَا كُنَّا جَمِيعًا فِي مَجْلِسِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ مَعَنَا، فَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي "، فَظَنَّ أَبُو النَّضْرِ أَنَّهُ فِيمَا حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ.
· روى أبو داود في سننه [كتاب الصلاة 172 حديث 973] من حديث أبي عثمان عن بلال أنّه قال: "يا رسول الله لا تسبقني بآمين". ورواه الحاكم في مستدركه [1\219] من هذا الوجه بلفظ: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "لا تسبقني بآمين" والمحفوظ الأوّل وقول الحاكم : "هذا صحيح على شرط الشيخين" وموافقة الذهبي له ذهول وغفلة منهما عليهما رحمة الله.
· حديث السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة انقلب على بعضهم فرواه بلفظ "ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله" والصواب "حتى لا تعلم شماله ماتنفق يمينه" [الوجيز في علوم الحديث ونصوصه لمحمد عجاج الخطيب قصر الكتاب البليدة (د ت) ص319-320]
· ومثاله في أسماء الرواة، قلب اسم الصحابي كعب بن مرة إلى مرة بن كعب ؛ وهو البهزي السلمي روى عن النبي صلى الله عليه وسلّم توفي بالأردن سنة 57هـ وقيل سنة 59هـ قاله ابن عبد البرّ وقال ابن السكن: "وزعم بعضهم أنّهما اثنان" اهـ ، وسبب القلب كون اسم أحدهما اسم أبي الآخر. [انظر فنّ مصطلح الحديث وشرحه والتعليق عليه ص131، الوجيز 320]

4. الحديث المصحَّف:
تسميته: ويسميه البعض "المـُحرَّف" والظاهر من حيث اللغة والاستعمال المعاصر أنّ التصحيف خاص بالمكتوب والتحريف بالمسموع، ولكن تتبع واستقراء الأمثلة المذكورة في كتبهم لا تفرق في تسمية التصحيف بين ما كان سببه رؤية الكتابة وسماع الصوت. والله أعلم.
تعريفه: قال التبريزي: هو تغييرُ لفظٍ أو معنىً . وقيل: " هو ما غيّره شخص عن أصلِه ظانّاً أنه هو الواقع، سواء أكان المــُغيّر سندا أو متنا، أو لفظا أو معنى." [شرح فنّ مصطلح الحديث للتبريزي وتعليقات أحمد مصطفى قاسم بهامشه ص106.]
أقسامه: ينقسم باعتبار موضع التصحيف إلى ثلاثة أقسام ممكنة:
· تصحيف في المتن ومثاله: حديث "أنّ النّبي صلى الله عليه وسلّم احتجر في المسجد" بمعنى اتّخذ حجرة من حصير أو نحوه، صحّفه ابن لهيعة فرواه بقوله "احتجم" . حكاه مسلم في التمييز ص187 وأخرجه أحمد في المسند مصحفا 5\185 [انظر شرح ألفية العراقي للسيوطي ص345، فن مصطلح الحديث وشرحه وتعليقات محقّقه ص106]
· تصحيف في السند ومثاله: حديث شعبة عن العوّام بن مراجم بالراء المهملة والجيم المعجمة التحتية صحّفه يحيى بن معين فقال مزاحم بالزاي المعجمة والحاء المهملة [فن مصطلح الحديث ص 106-107]. ومثاله كذلك ابن النُدَّر عتبة صحّفه ابن جرير الطبري ابن بُذَّر بالباء الموحدة التحتية عوضا عن النون الموحدة الفوقية وبالذال المعجمة عوضا عن الدال المهملة. [شرح الألفية للسيوطي ص345]
· تصحيف في المتن والسند: لم أجد له مثالا؛ ولهذا قلت الأقسام الممكنة ولم أقل الواقعة والموجودة...
وينقسم باعتبار اللفظ والمعنى إلى قسمين:
· تصحيف في اللفظ سواء كان في السند أو المتن أو فيهما معا ومثاله الشواهد المتقدمة.
· تصحيف في المعنى ومثاله: حديث أبي جحيفة في البخاري ومسلم وغيرهما أنّ رسول الله صلى إلى عنزة. قال أبو موسى محمد بن موسى العنزي الملقب بالزمِن أحد شيوخ الأئمة الستة: "نحن قوم لنا شرف، نحن مِن عنزة صلى إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم" توهّم أن "عنزة" في الحديث القبيلة العربية. وتصحّف معنى الحديث على بعضهم فرواه بلفظ "صلى إلى شاة" [شرح السيوطي على ألفية العراقي ص345، الجامع للخطيب 1\295، معرفة علوم الحديث للحاكم 439]
وينقسم باعتبار آلته أو مصدره وسببه إلى قسمين:
· تصحيف رؤية: وسببه ضعف النظر أو رداءة الخطّ أو عدم ضبطه، ومثاله تصحيف ابن النُذَّر بابن البُدَّر والعوّام بن مراجم بالعوّام بن مزاحم، ومثاله كذلك تصحيف حديث أبي أيوب الأنصاري في مسلم وغيره أنّه صلى الله عليه وسلّم قال: من صام رمضان وأتبعه ستّاً من شوال... الحديث. صحّفه أبو بكر الصُّوُلي الكاتب والأديب اللغوي (335هـ) فقال: "فأتبعه شيئا من شوال" بالشين المثلثة عوضا عن السين المهملة وبالياء المثناة التحتية عوضا عن التاء المثناة الفوقية. [فن أصول مصطلح الحديث وشرحه للشريف الجرجاني والتبريزي ص107]
· تصحيف سمع: ويكون سببه ثقل السمع أو بعد المتحمّل، كتصحيف واصل بعاصم، والأحدب بالأحول. قال السيوطي: "إنّ مثل ذلك إنما يشتبه على السمع للموازنة، لا على النظر لاختلاف اللفظين خطّاً"اهـ [شرح الألفية 345 وفن أصول المصطلح 106]

5. حديث المختلِّط:
اسمه: أكثر من صنّف في المصطلح وأقسام الحديث لم يذكر حديثا أو قسما باسم المختلط، بل تكلموا عن الراوي المختلط وعن حقيقة الاختلاط وأسبابه وحكمِه ...
تعريف الاختلاط: هو في اصطلاح المحدثين حالة طارئة تعرض على الراوي الثقة وتظهر في عدم انتظام أقواله في مروياته.
وإنّما قلنا (حالة طارئة)؛ لأنّ الاختلاط عرضٌ يوصف به من كان تامَّ الضبط أو خفيفَه ثمّ اختلّ بعد ذلك في مرحلة محدّدة من عمره. كما أنّ الاختلاط إذا وقع لا يشترط فيه الدوام والاستمرار أو أنّ مجرد ثبوته يردّ حديث المختلِّط مطلقا بل لا بدّ مع ثبوت صفة الاختلاط في الراوي من ثبوته في المروي كذلك.
وقلنا: (في مروياته) حتى لا يندرج فيه الحديث المضطرب؛ إذ حقيقته عدم انتظام أقوال الراوي مع مرويات غيره.
أسباب الاختلاط: فساد العقل بسبب خرف وكبر سنّ، أو مرض، أو عمىً، أو حرق كتب، أو تغيير بلدٍ... ونحو ذلك.
وممّن اختلط بسبب الخرف: عطاء بن السائب الثقفي الكوفي.
وممّن اختلط بسبب ذهاب البصر عبد الرزاق بن همام الصنعاني.
وممّن اختلط بسبب ذهاب كتبه ابن لهيعة.
وممّن اختلط بسبب احتراق كتبه ابن الملقن.
حكمه: ما رواه المختلِّط قبل الاختلاط يقبل. وما رواه بعد الاختلاط ينظر فيه؛ لأنّ المختلِّط وإن كان يغلب على مروياته عدم الانتظام في مرحلة الاختلاط، فإنّه قد يكون في بعضها ثبتا ضابطا يروي الصحيح المنتظم مع مرويات الثقات.
وأمّا من اختلط، لكنّه احتجَب، وامتَنَع عن التحديث زمن الاختلاط، أو مُنِع منه؛ فإنّ رواياته صحيحة ولا تأثير لاختلاطه في ضبطه، ومن هؤلاء سعيد بن عبد العزيز التنوخي اختلط قبل موته وكانوا إذا عرضوا عليه بعد الاختلاط يقول : "لا أجيزها"، ومن هم جرير بن حازم قال عبد الرحمن بن مهدي: اختلط وكان له أولاد أصحاب حديث فلمّا خشوا ذلك منه حجبوه، فلم يسمع منه أحدٌ في اختلاطه "
حكم حديث المختلِّط باعتبار الرواة عنه:
Ø من سمع منه قبل الاختلاط فقط، قُبلت روايته.
Ø ومن سمِع منه بعد الاختلاط فقط، ردّت روايته بالشروط المتقدمة.
Ø ومن روى عنه قبل الاختلاط وبعده واستطعنا التمييز بين السماعين، أخذ كلّ سماع حكمه الخاص به.
Ø ومن روى عنه قبل الاختلاط وبعده ولم نتمكن من التمييز بين السماعين، فالأصل فيه التوقف، أو الردّ احتياطا.
أمثلة:
· ما رواه عبد الرزاق الصنعاني في التفسير [2\372] عن معمر عن قتادة عن أنس قال: أُتي النّبيّ صلى الله عليه وسلّم بالبراق ليلة أسري به مسرجا ملجما ليركبه، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما يحملك على هذا ؟ فو الله ما ركبك أحد قطّ أكرم على الله منه، فارفضَّ عرقاً.
أخرجه الترمذي في جامعه من هذا الطريق [برقم: 3131] وقال: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلاّ من حديث عبد الرزاق"
وعبد الرزاق الصنعاني إمام حافظ ثقة غير أنّه اختلط في آخر عمره بسبب ذهاب بصره أو تقدّم عمره، وقد تفرّد بهذا الحديث عن معمر، والمتن فيه غرابة ونكارة ظاهرة.
· ما أخرجه أحمد من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - عن النبي قال: " لَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ بِي فِيهَا أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ..........." الحديث.
رجال الحديث كلّهم ثقات غير أنّ عطاء بن السائب كان قد اختلط، وحماد بن سلمة سمع منه قبل الاختلاط وبعده، ولأنّه لا يمكننا التمييز بين ما سمعه قبل الاختلاط وما سمعه بعده يتوقّف في حكم الحديث حتى يتبيّن. أو يرجح التضعيف على التصحيح احتياطاً وسدّاً للذرائع.
أشهر ما صنِّف في الاختلاط: قال ابن الصلاح: " هَذَا فَنٌّ عَزِيزٌ مُهِمٌّ، لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا أَفْرَدَهُ بِالتَّصْنِيفِ وَاعْتَنَى بِهِ، مَعَ كَوْنِهِ حَقِيقًا بِذَلِكَ جِدًّا." [المقدمة النوع الثاني والستّون ص391]
وقد خصّه الحافظ أبو بكر الحازمي بمؤلف خاص ذكره في كتابه "تحفة المستفيد"
قال الحافظ العراقي (806هـ) "وبسبب كلام ابن الصلاح أفرده الحافظ صلاح الدين العلائي بالتّصنيف في جزء حدّثنا به لكنّه اختصره ولم يبسط الكلام فيه، ورتّبهم على حروف المعجم." اهـ
ثمّ ألّف فيه الحافظ برهان الدين الحلبي للسبب ذاته كتاب "الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط".

6. الحديث الشاذّ:
تعريفه: قال الإمام الشافعي : "ليس الشاذُّ من الحديثِ أن يروي الثقةُ ما لا يرويه غيرُهُ...إنّما الشاذُّ أن يروي الثقةُ حديثاً يخالفُ فيه النّاسُ." [معرفة علوم الحديث للحاكم (405هـ) ص119، مقدمة ابن الصلاح ص76، الباعث الحثيث 1\179] ونسب أبو علي الخليليُّ هذا التعريف لجمهور الحجازيين، كما نسبه ابن رجب للإمام الترمذي [شرح العلل 2\606، الشاذ والمنكر وزيادة الثقة موازنة بين المتقدمين والمتأخرين ص106]
واختلف المتأخرون في تعريفه إلى أقوال عدّة مذاهب شتّى، وعرّفه ابن حجر (852هـ) بقوله: "ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه" [نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر بتحقيق عبد الله بن ضيف الله الرحيلي مطبعة سفير الرياض 1422هـ. ص213] وهذا التعريف هو الذي انتشر واشتهر واستقرّ عليه الأمر في كتب المتأخرين والمعاصرين.
ولعلّ أهمّ فرق بين التعريفين اشتراط ابن حجر في الرواية المحفوظة أن تكون ممّن يوصف بالأولى أي من الأوثق والأحفظ والأضبط، بينما هي عند الإمام الشافعي رواية العامة حتى ولو كان المخالف أحفظ منهم وأضبط.
وفي المسألة أقوال شتى ومذاهب عدّة تركت تتبعها مخافة أن يخرج بنا الحديث عن الاختصار المطلوب والهدف المقصود.
حكمه:
قال الإمام الشافعي: "الشاذ من الحديث لا يؤخذ به" [الأم 7\360، الشاذ والمنكر وزيادة الثقة موازنة بين المتقدمين والمتأخرين ص105]، وقال ابن الصلاح: "والشُّذُوذُ من النكارة والضعف" [ص79]
أقسامه:
Ø أقسام الشّاذ باعتبار موضع الشذّوذ ينقسم إلى شاذّ المتن وشاذّ الإسناد وشاذّ المتن والسند.
Ø أقسام الشاذّ باعتبار أسبابه: قسّمه ابن الصلاح – واعتمد قسمته جمهور المعاصرين – إلى شاذ بسبب مخالفة الثقة لمن هو أولى منه. وشاذّ بسبب انفراد من لا يسعه الانفراد، وإن لم يخالف غيره[1]. [ابن الصلاح ص79]
أمثلة: ولأنّ المسألة خلافية كثيرة التشعبّ سأكتفي بنقل الأمثلة التي ذكروها بلفظهم دون إضافة أو تصرّفٍ أو تعليق.
Ø ما رواه أبيض بن أبان الثقفي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا "من كان مصليا فليصل قبلها أربعا وبعدها أربعا" يعني الجمعة.
وأبيض شيخ يكتب حديثه كما قال أبو حاتم الرازي إلاّ أنّه تفرّد بذكر الأربع قبل الجمعة، والحديث رواه مسلم وغيره من طرق عن سهيل بن أبي صالح عن ابيه عن أبي هريرة وفيه: "من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا" . [معجم مصطلحات الحديث ص199-200]
Ø حديث: "كلوا البلح بالتمر، فإنّ ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان، وقال: عاشَ ابنُ آدم حتى أكل الجديد بالخلق." أخرجه النّسائي من حديث عائشة وقال: "منكر" قال ابن الصلاح: تفرّد به أبو زكير وهو شيخ صالح غير أنّه لم يبلغ من يحتمل تفرده." [شرح السيوطي على ألفية العراقي دار ابن حزم بيروت 1429هـ 2008م ص159-160]
Ø أخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن همام بن يحيى عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: "كان النّبيّ صلى الله عليه وسلّم إذا دخل الخلاء وضع خاتمَهُ" قال أبو داود بعد تخريجه: "هذا حديث منكر". وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس : "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلّم اتّخذ خاتماً من وَرِقٍ ثمّ ألقاه." [البخاري 5868 مسلم 2093-60] قال أبو داود: "والوهم فيه من همام ولم يروه إلاّ همام". قال المصنّف: "فهمام ثقة، لكنه خالف النّاس، فروى عن ابن جريج هذا المتن بهذا السند، وإنما روى النّاس عن ابن جريج الحديث الذي أشار إليه أبو داود، لهذا حَكَمَ عليه بالنكارة[2]" وقال النّسائي: "هذا حديث غير محفوظ". [شرح السيوطي على ألفية العراقي ص160-161]
Ø عن أبي كامل الجحدي قال حدّثنا غُندر – محمد بنُ جعفر – عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: "الأذنان من الرأس" قال ابن عدي: "حديث غُندر ليس بالمحفوظ"[3] قال الدارقطني: "تفرّد به أبو كامل عن غندر ووهم عليه فيه، والصواب عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم مرسلاً." وكذلك خالف أبو كامل كلٌّ من وكيع بن الجراح وعبد الرزاق الصنعاني والثوري وناصلة بن سليمان وعبد الوهاب الثقفي جميعهم عن ابن جريج عن عطاء عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم مرسلاً. وأبو كامل قال عنه ابن حجر ثقة حافظ أخرج له البخاري تعليقا ومسلم وأبو داود والنسائي، وغُندر قال عنه الإمام الذهبي حافظ أخرج له البخاري ومسلم وأصحاب السنن، فالحديث موصولا شاذّ والمحفوظ رواية الثقات المرسلة. [انظر: المعلّم في معرفة علوم الحديث عمرو عبد المنعم سليم دار الضياء طنطا 1425هـ 2005م ص129]
Ø عن جميل بن الحسن العتكي قال حدّثنا محمد بن مروان العقيلي قال حدّثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: "لا تزوّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا تُزوّج المرأةُ نفسَها، فإنّ الزانية هي التي تزوّج نفسَها." جميل بن الحسن صدوق يُغرِبُ والعقيلي ثقة له أوهام وباقي رجال السند حفاظ مشهورون، وقد روى هذا الحديث عن هشام بن حسّان جماعة أضبط وأحفظ وأكثر موقوفا على أبي هريرة منهم حفص بن غياث، والنضر بن شُميل، وتابعهم كلٌّ من ألوزاعي وابن عيينة عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفا. فحديث جميل عن مروان العتكي المرفوع شاذّ والمحفوظ المرسل.
Ø حديث: "لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا يرث الكافرُ المسلمَ" رواه مالك عن ابن شهاب عن علي بن حسين بن علي عن عُمر بن عثمان بن عفان عن أسامة بن زيد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: الحديث. [الموطأ دار الفكر بيروت 1425-1426هـ 2005م، كتاب الفرائض باب ميراث أهل الملل ص368 رقم 1104] ورواه النّاس عن عَمرو بن عثمان عن أسامة .[انظر شرح السيوطي على ألفية العراقي ص160]

7. الوَهْمُ والشكّ في الحديث:
تعريف الوهم: الوَهْم بإسكان الهاء هو المقصود ها هنا وهو الطرف المرجوح عند التردّد والشكّ ويقابله الظنّ، أمّا الوَهَمُ بفتح الهاء فهو مطلق الغلط.
وهو في الاصطلاح: الخطأُ والغلطُ في الرواية، ويدخل تحت ذلك قليل الوهم وكثيره. فالوهم رواية الحديث على سبيل التوهم أي بناءً على الطرف المرجوح المقابل للظن. [رسالة الشكّ والوهم ص 57 وأحال على المراجع التالية: تقريب علم الحديث، أبو معاذ طارق بن عوض الله، دار الكوثر، (د.م.ط: د.ت): 215؛ شرح شرح نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر، نور الدين أبو الحسن على بن سلطان محمد القاري الهروي، (ت 1014هـ)، حققه وعلق عليه: محمد نزار تميم وهيثم نزار تميم، دار الأرقم، (بيروت: د.ت)، 433؛ الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به، عبد الكريم بن عبدالله بن عبدالرحمن الخضير، ط4، مكتبة دار المناهج، ( المملكة العربية السعودية: 1431هـ)،226.]
تعريف الشكّ: الشكّ مطلقا هو" هو تجويز أمرين فما زاد لا مزية لأحدهما على سائرها" وهو في خصوص علم المصطلح "رواية الحديث النبوي على سبيل الشكّ والتردّد" [الشكّ والوهم في الراوي والرواية الإمام شعبة بن الحجاج أنموذجا، (رسالة ماجستير) عبد الرزاق شاكر محمود جامعة تكريت إشراف د. خالد حمادة صالح الجبوري 1435هـ 2014م. الفصل الثاني الصفحة 56]
ومن أنواع الحديث التي تندرج في هذا القسم وقد تركتُ ذكرها وبسط القول فيها ما يأتي:
الحديث المنكر إذا كان سبب الطعن في راويها سوء حفظه
التلقين في حقّ سيّء الحفظ والمختلِط ونحوهما
غرائب وانفرادات مَن لم يبلغ مِن الإمامة في الحديث ما يسمح له بالانفراد، والكلام ذاته يقال في الزيادات (وفي هذه المسألة خلاف مشهور بين المتقدمين والمتأخرين من علماء الحديث)
وكذا كلّ حديث ضعيف كان سبب ضعفه طعنا في ضبط رواته لا عدالتهم.
....إلخ

جمع وإعداد: فتحي بودفلة

[1] وظاهر ما قاله ابن الصلاح في الراوي الذي لا يسعه الانفراد أنّه الضعيف سيّء الحفظ قليل الضبط [ص79] بينما هو عند المتقدمين من لم يبلغ منتهى الضبط وغاية الحفظ والإمامة في الحديث والله أعلم بالحقّ والصواب.

[2] هذا من الاختلاف الذي تركت بسطه، ولأنّ همام ثقة فإنّ حديثه شاذ وليس بمنكر.

[3] وهي عبارة كثيرا ما يطلقها المتقدمون على الحديث الشاذ ونحوه من الأحاديث التي خالفت الثابت والصحيح .