وقفة قرآنية:

قال تعالى:" قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)" –طه-.
وقال تعالى في أواخر السورة:
" وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127)" –طه-.

تأملت هذه الآيات فقلت في نفسي: توعد الطاغية فرعون السحرة بالعذاب الشديد واصفا إياه بقوله:"وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى" فكان من جوابهم على هذا التهديد:" وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى"، وربما كان من المناسب أن يجيبوه بما يبين كذبه فيما ادعاه من وصف عذابه بالشدة والبقاء، لأنه مهما اشتد ودام فليس بشيء أمام عذاب الله الأخروي.
لكن بعد هذا الحوار بين فرعون وسحرته، نجد الله تعالى يذكر حال المعرض عن ذكره سبحانه وعماه عن آياته وما سيجزى به من العمى في الآخرة ونسيان الله له –عياذا بالله-. ويختم الله تعالى هذا الوعيد بقوله:"وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى".
فقلت في نفسي: أليس هذا الكلام منه سبحانه جوابا على كلام فرعون اللعين لما قال:" وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى" فرد الله تعالى عليه في أواخر السورة بقوله:" وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى"؟
ومما يقوي هذا الرأي أن الكلام عن المعرض عن آيات الله لم ينفصل تماما عن الكلام عن فرعون، وكيف ينفصل وفرعون في قمة المعرضين عن آيات الله والناسين لآياته، فكم وكم أتته من آية فقابلها بالإعراض والتكذيب، كما قال تعالى:" وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56)"-طه- وقال تعالى:" وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا" –الزخرف-، وقال جل شأنه:" وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)" –الأعراف-.