سُلَّم الحَدَّادي من الكتب المتينة في عِلم أُصول الفِقه ، وقد صنَّفه عالمٌ أزهري من عُلماء الُأصول في مِصر ، واسمه ” عبد العليم بن محمد الحدَّادي “(ت:1361هـ ) تعالى .
والحَدَّادي نسبة إلى قرية بمصر موجودة الى اليوم بهذا الاسم ، وتقع الآن في محافظة كفر الشيخ .


والمؤلِّف شافعيُّ أشعريُّ ، لكنه في هذا الكتاب يُوافق أهل السنة والجماعة في مُجمل المسائل الأصولية .وقد صنَّف هذا السُّلم قبل حوالي مئة سنة ، لطلبة العِلم في الجامع الأزهر.
والكتاب طابق اسمُهُ مُسمَّاه ، فهو سُلَّمٌ مُيسرٌ لمن رام فهم المسائل الأصولية على الطريقة المنطقية الجدلية .
وهذا السُّلم مناسب لمن أراد معرفة طريقة الأصولييِّن في المناقشة والردِّ، والكتاب يقع في مئة صفحة ، ولا تخلو صفحة من صفحاته من آيةٍ أو حديثٍ للإستدلال أو للإستنباط .

وقد علقتُ عليه تعليقاتٍ مُقتضبة في المواضع التي تيقَّنتُ أهمَّيتها . وهذا أوان الشروعِ في المقصود :


1 – سُلَّم الحدادي اشتمل على مصطلحات وقواعد وضوابط عقلية استفادها وهذَّبها من المصنفات التي كانت تُدَّرس في الأزهر ، مثل :” الرسالة الشمسية ” وهي متنٌ في علم المنطق وحدوده ،لعلي بن عمر القزويني(ت:675هـ )وهو عالم وفيلسوف شافعي.
وقد استفاد الحدَّاديُّ أيضاً من شروح الشمسية وحواشيها كشرح مسعود بن عمر التفتازاني(ت: 753هـ ) وشرح القطب التحتاني (ت:766هـ ) وحاشية الشريف الجرجاني (ت: 816هـ ) ، وقد استفاد أيضاً من شروح السُّلم وحواشيه مثل : “حاشية إبراهيم الباجوري على شرح السُّلم ” – والباجوري من شيوخ الأزهر – (ت:1277هـ) ، ومن ” إيضاح المبهم على معاني السُّلم ” للدمنهوري (ت: 1192هـ )، و”حاشية الخبيصي على تهذيب المنطق “( ت: ( 1050هـ) رحم الله الجميع .

وهذه الكتب وما فيها من المصطلحات والقواعد والمسائل لا تجوز مُطالعتها إلا عند شيخٍ مُتقنٍ للمنطق والأصول ، وإلا فَسيزلُّ ويَضلُّ كما ضَلَّ كثيرٌ من الأذكياء .
وبسبب البيئة التي نشأ فيها الحدادي ، وتأثره بدراسة علم الكلام والمنطق ، فقد تأهل لدراسة المذهب الأشعري ، بل وصنَّف فيه كتاباً اسمه ” الخلاصة السُّنية فى شرح السَّنوسية “.

وكتابه هذا لا يَشفي العليل ولا يَروي الغليل ، ففيه نفي لكثيرٍ من صفات الله تعالى وتأويل وتعطيل لبعضها، تقليداً لمشايخ الأشاعرة . سامحه الله وعفى عنه .
وللعلم فإن عقيدة الإمام الأشعري(ت: 324هـ) تعالى مرَّت بثلاث مراحل : مرحلة الاعتزال، ثم متابعة ابن كُلاَّب(ت: 241هـ) ، ثم موافقة أهل السنة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241هـ) تعالى .

وقد صرَّح الأشعري بهذا الموقف الأخير في متابعة السلف ، كما في مصنفاته الثلاثة: ” رسالة إلى أهل الثغر” ، و” مقالات الإسلامييِّن” ، و” الإبانة” .
فمن تابع الأشعريَّ على هذه المرحلة، فهو موافق لأهل السُّنة والجماعة في أكثر المسائل، ومن لزم طريقته في المرحلة الثانية، فقد خالف الأشعري ، وخالف أهل السُّنة في العديد من عقائدهم ، ولا يضرُّ إلا نفسه .

وأعظم بدعةٍ في كتب الأشاعرة هي بدعة التفويض ، والتفويض في مذهب السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على طريقتهم ، هو تفويض العلم بكيفية ذات الله تعالى، وكيفية صفاته سبحانه.

أما معناه عند الخلف – أهلُ الكلام قديماً وحديثاً- فهو تفويض معاني النُّصوص الشرعية الثابتة التي تُعارض قواعدهم وعقائدهم ، التي لم يجدوا لها تأويلاً ولم يستطيعوا ردَّها مع اعتقادهم أن ظاهر النصِّ غيرُ مرادٍ.

وعلى هذا يتبيَّن الفرقُ الكبير في معنى التفويض عند السلف والخلف.
فالسلف يعلمون معاني النصوص ويؤمنون بها إذا دلَّ عليها ظاهر النصِّ، ويُفوِّضون علم الكيفية إلى الله تعالى.


2-العلم عند المناطقة ينقسم الى تصوُّر وتصديق ، وكل منهما الى ضروري ونظري . وعندهم أن التصديق هو التصورات الاربعة : تصوُّر الموضوع وتصوُّر المحمول وتصوُّر النِّسبة وتصوُّر وقوعها .
والنظري عندهم ما يحتاج إلى تأمُّل والضروريُّ عكسه . وبهذا يُعلم أن العلوم انحصرت في التصورات والتصديقات ، ولكل منهما مبادىء ومقاصد .
والمدركات عندهم يُمكن نقلها الى الناس بطريقين : طريق التعرُّف بصور المفردات ، وطريق إقامة الأدلة للوصول إلى معرفة معلوم من المعلومات الموجبة أو السالبة .
وهذا ما يسمى بالحجة أو الدليل .

والبرهان عند المناطقة خمسة أنواع : الأول : القياس الإقتراني . الثاني : أن تكون العِلة حُكماً في المُقدِّمتين . الثالث : أن يُبتدأ بالعِلة في المقدِّمتين . الرابع : التلازم . الخامس : السبر والتقسيم . وقد بيَّنها ابن قدامة (ت: 620هـ ) تعالى في المقدِّمة المنطقية في أول ” كتاب روضة الناضِر”. ولا حرج في مُناقشة ومدارسة ما تقدَّم إذا كانت مضبوطةً بفهم السلف للوحييِّن ، وإلا فالجهل بها أحرى وأولى .


3- ورد في السُّلم إستدلالات كثيرة على طريقة المناطقة مثل : الإستدلال بالمُقدِّمة الكبرى والصُّغرى والمُلازمة ، والقياس الإقتراني والإستثنائي والصُّوري والعكس ، والدليل والمدلول ، والدليل القطعيُّ والظنيُّ ، والمُتواطىء ،والوضع التأويلي والتحقيقي ، والشخصي والنوعي ، وتعادل الظنَّيين ، وغيرها.
وهذه الطريقة التي اعتمدها المؤلِّف – على جادَّة المناطقة المُتكلِّمين – حذَّر منها أهلُ العلم الراسخين ، ومنهم ابن الصلاح (ت: 643هـ) تعالى الذي قال عن الغزالي : ” ولقد أتى بخلطه المنطق بأُصول الفقه ببدعةٍ عَظُم شؤمها على المُتفقِّهة حتى كثُر فيهم المُتفلسِّفة “.

وقد أشار الإمام ابن تيمية (ت: 728هـ) تعالى إلى نحو هذا حين قال : ” المنطق اليوناني المنسوب الى ارسطو فيه تطويلٌ كثيرٌ مُتعبٌ ولا ينفع في العلم ، وفيه إتعاب للأذهان وتضيِّيع الزمان وكثرة الهذيان “.
وأودُّ أن أُشير هنا إلى أن أهم المصطلحات المنطقية في الأصول إنما يحتاج إليها في العِلة والقياس ومعرفة الحدِّ والبرهان ، فإن زادت على هذا فهي زَّبَدٌ لا خير فيها .


4- من حسنات هذا المتن أنه عمل بنصيحة العلامة أحمد بن عبد الرحمن الزُّليطي (ت: 898هـ) تعالى ، وهو على أشعريته لكنه مُنصف وحافظٌ لقلمه ولسانه ، فقد قال:
“هذا العلم إنما سُمِّي بأصول الفقه ، لأن الفقه مبنيُّ عليه وعلى هذا كل مسألةٍ مرسومةٍ فيه لا يَنبني عليها فقهٌ ولا تكون عوناً فيه ، فوضعها في أصول الفقه عاريَّة ” . وتُنسب هذه المقالة أيضاً للإمام الشاطبي (ت: 790هـ) تعالى ، كما في بعض المصادر المعاصرة .


ولهذا لم يُورد الحدَّادي في كتابه عبارات المتكلمين : كالجسم والجوهر والعرض والجنس ، التي تُطوِّل العبارة وتُبعد الإشارة وتُعسر فهم المسائل الأصولية والفقهية حال المطالعة .


ولم يذكر المسائل المُستَبشعة عند الأصولييِّن ،كمسألة صحة التكليف بالفعل قبل حُدوثه ،وهي أغمض مسألة في عِلم الأصول ، كما أفاده المرداوي (ت: 885هـ) تعالى، ولا مسألة أوَّل الواجبات التي قال عنها السمعاني(ت: 562هـ) تعالى : ” إنها قليلة الفائدة ولا يحتاج إليها الأصولي ” ، ولم يذكر مسألة التحسين والتقبيح التي يتفاخر بها بعضُ الأشاعرة في مُصنَّفاتهم ويمتحنون بها الخلق ، كما أفاده الفركاح الفزاري (ت: 690هـ) تعالى ، ولم يذكر مسألة الأصل في الأشياء الحظر أم الإباحة ؟ ، وهي من المسائل العقيمة التي تشبَّعت بها بعضُ كتب القدماء والمعاصرين ، وقد قال عنها ابن عثيمين (ت: 1421هـ) تعالى : ” هذه مسألة تَنازع فيها الناسُ وهو نزاع لا طائل تحته ” ، ولم يذكر مسألة التكليف بما لا يطاق ، وهي مسألة لا صِّلة لها بعلم الأصول .


5-الملكة الأصولية يمكن فهمها وإدراكها من مسألة التراشق الأصولي والفقهي بين الشافعية والأحناف ، وهي مسألة قديمة ، ومن الكتب المهمة فيها كتاب ” مسائل الخلاف في أصول الفقه ” للصيمري(ت: 436هـ) تعالى ، ففيه ردود على مذهب الشافعي تعالى في مسائل أصولية وفقهية كثيرة ، فقد ردَّ على الشافعي في عشرة مواضع من كتابه ، وردَّ على الشافعية في ثلاثين موضعاً . والصيمري قاضي حنفي اعتمد كثيراً في كتابه على ” الفُصول في الُأصول ” للجصاص (ت: 370هـ ) تعالى .


وفي المقابل ظهر كتاب ” تقويم الأدلة ” للدبُّوسي الحنفي (ت: 370هـ) تعالى ، والردِّ عليه في ” قواطع الأدلة ” للسمعاني (ت:489هـ ) تعالى ، الذي كان حنفياً ثم تحوَّل شافعياً .
ويُعدُّ كتاب ” تأسيس النظر ” للدبُّوسي (ت: 430هـ) تعالى أول كتاب في الخِلاف حسب الرؤية الأصولية للمذهب الحنفي . وللإستزادة يُمكن مُطالعة كتاب ” التسهيلات الإلهية في أُصول فقه الشافعية والحنفية ” للقاضي أحمد درويش .


6-ورَدَ في السُّلم إحتفاء ببعض تقريرات المُتكلِّمين من الأشاعرة القدماء والمُحدثين وإستدلالاتهم ، من غير بيان لأِصولهم ومواردهم في الكلام الأصولي والعقدي ، كالاستدلال بتقريرات : الباقلاني(ت: 402هـ) والعضد الإيجي(ت: 756هـ) والتفتازاني (ت: 792هـ) وعبد المعطي الشرشيمي(ت: لم أقف على سنة وفاته )، وحسن العطَّار(ت: 1250هـ) أحد شيوخ الأزهر ، وقد نقل عنه صاحب السُّلم في مواضع كثيرة واستدل بتقريراته ، والعطَّار له إستدلالات كلامية على المسائل الأصولية تفوح منها رائحة التعصُّب الشديد لمذهب الأشعري وأعلامه ، وله شروحات لمقولات أرسطو وحواشي على المسائل المنطقية.


7- السُّلم فيه نزعة تعصُّب للشافعية ، ورثها المُصِّنفُ من مُناكفات الفقهاء والأصولييِّن القدامى من الأحناف والشافعية ،وقد ظهر ذلك في مباحث السُّلم في الصفحات:
(18-21-34-36-41-46-54-63-66-77-78-82-85-87-89) ، فقد تعقَّب في هذه المواضع إستدلالات الأحناف تارة بالمعقول ، وتارة بالمنقول ، وفيها فوائدٌ بلا ريب .


وقد أورد الحدَّاديُّ بعض آراء الفقهاء كأبي حنيفة (ت: 150هـ)ومالك (ت: 179هـ) والشافعي (ت: 204هـ)و داود الظاهري (ت: 270هـ)، تعالى ، ولم يرد للإمام أحمد (ت: 241هـ) تعالى ذِّكرا في الكتاب لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ . وهذا ليس بمستغرب في مُصنَّفات الأشاعرة منذ القرن الخامس الهجري إلى اليوم ، حيث انتشر المذهب الأشعري بقوة السُّلطان كما في زمن نظام الملك (ت: 485هـ) والمهدي ابن تومرت (ت: 524هـ ) ونور الدِّين زنكي (ت: 569هـ )وصلاح الدِّين الأيوبي (ت: 589هـ) تعالى.


وقد تقوَّى مذهب الأشاعرة بنشر جمهرة من العلماء له ، فقد اعتمدوه ونصروه، وخاصة فقهاء الشافعية, والمالكية المتأخِّرين، والأعلام الذين نشروه بقوة هم : الباقلاني(ت: 402هـ)، وابن فورك(ت: 406هـ) والإسفراييني(ت: 418هـ)، ، والبيهقي(ت: 458هـ)، والشيرازي(ت: 476هـ)، والجويني(ت: 478هـ)، والبغدادي(ت: 463هـ)، والقشيري(ت: 465هـ)، والغزالي(ت: 505هـ)، والرازي(ت: 606هـ)، والآمدي(ت: 631هـ)، والعِّز ابن عبدالسلام(ت: 660هـ)، وبدر الدين ابن جماعة(ت: 733هـ)، والسُّبكي(ت: 771هـ)، وغيرهم ، ولم يكن هؤلاء أشاعرة فقط، بل كانوا مُؤلِّفين ودعاة إلى هذا المذهب، ولذلك صنَّفوا الكتب العديدة، وتخرَّج على أيديهم عددٌ كبير من الطلاب .
8- ورد في ( صفحة / 93- 94) الإشارة إلى الدليل الخامس من أدلة الإحتجاج وهو عنده ما يُسمَّى ب” الإستدلال ” وقد ذكر تحته مسائل وهي : الإستقراء واستصحاب العدم الأصلي ،والاستحسان ،والإلهام . وقد ساق الحدَّاديُّ هذا الدليل على نَسق المناطقة والكلامييِّن الذين يردُّون بعض الأدلة المتواترة بالقياس ، أو بالعرف ، أو بقول عالمٍ متبوعٍ ،أو بالمصلحة أو باستصحاب الحال .للإستزادة انظر مقال : ” حُكم ردُّ الأخبار بالإستدلال ” في مُدوَّنتي .


9- ورد في ( صفحة / 103) ما نصُّه : ” يُرَجَّح… والإجماعُ على النصِّ ” قلت : هذا ليس على إطلاقه ، فلا يُرجَّح الإجماع السكوتي على النصِّ ،ولا الإجماع الظنِّي على النصِّ ، بل المراد الإجماع القطعي المُستندِ إلى نصِّ مُتواترٍ. فليحرر .


10-ورد في (صفحة / 108) ما نصُّه : ” لا يجوز التقليد بل يجب النظر ” قلت ” هذا من مفردات المعتزلة والأشاعرة في باب الإعتقاد ، والصحيح وجوب التوحيد ،والتوحيد يكون بالعلم المنقول من صحيح الشريعة . ومسألة النظر التي أشار إليها الحدَّادي في سُلَّمه ناقشها وفنَّدها الإمام “الزركشي “(ت:794هـ) تعالى في البحر المحيط ” (1/37) ” ، فلتراجع .


11-أورد الحدَّادي في سُلَّمه (صفحة/ 108-109) ما معناه أنه على المُقلِّد أن يُوافق كلام الأشعري وحكمه ، والصواب أن يقول : يجب أن يوُافق ما جاء به صريح الكتاب والسُّنة ، لأن هذا أبرأ للذِّمة وأبعدُ عن التُّهمة .


12- ورد في السُّلم في ( صفحة / 109) ما نصُّه : ” الَّلهم أسعدنا بجاه النبي ” ! .
قلت : التوسُّل بجاه النبي من المسائل المُختلف فيها بين أهل العلم.
لكن الراجح من دلالات النصوص أن التوسُّل بالحق والجاه من البدع التي لا أصل لها ، فإن الصحابة لما أجدبوا توسَّل عمر بالعباس ، أي بِدُعائه.
فلو كان التوسُّل بالنبي أو بجاهه وحقِّه جائزاً، لما عدلوا عنه مع شِّدة حِرصهم على السُّنة . والله الهادي .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

(منقول
نَقد سُلَّم الحدَّادي | مدونة المتوقِّد