وضعت امرأة عمران طفلتها الصغيرة المنذورة وقد سمتها مريم أي العابدة لتكون العبادة وظيفتها وديدنها وعلى الفور أرسلتها لبيت المقدس وفاءا لنذرها وقدمتها هدية طيبة بها نفسها بين يدي ربها فليس لها فيها شيء فقد وهبتها كلها لله في المقابل قبل الله منها هذه الهدية وأفاض عليها من خزائن رحمته ثلاث منح إلهية بعد ولادتها عبرت عنها أداة العطف الفاء التي تعني السرعة والمقاربة يقول تعالي "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) آل عمران. وبعد أن كبرت أفاض عليها ثلاث منح أخري سنتناولها فيما بعد وحقا لقد كانت مولودة فريدة وعجيبة في ولادتها وفي نشأتها وفي حياتها لنري ذلك .
المنحة الأولى :- القبول الإلهي :-
يقول تعالي "فتقبلها ربها بقبول حسن " وللعلماء مباحث لغوية في تخريج هذه العبارة فلماذا لم يقل تقبلها ربها تقبلا حسنا إذا كانت قبولا مفعولا مطلقا ولهم فيها مشارب عديدة لا أري الخوض فيها الآن بل يحسن ان نتلمس آثارها الاجتماعية في النشأة الأولي لمريم فالإنسان عند ولادته يولد في غاية الضعف لا يد تبطش ولا رجل تسعي ولا سن تقطع و الله من رحمته يعوض ضعفه هذا بقبول يلقيه في قلب أبويه فلا ينامان حتى ينام ولا يشبعان حتي يشبع رحمة من الله وفضل وهذه المولودة الصغيرة خرجت من حضن أمها فالقي الله قبولها ومحبتها لا في قلب أمها فقط بل في قلوب كل من أحاطوا بها أو شاهدوها فما أن يلقي احد نظره عليها إلا ويتعلق بها تعلق الأم بمولودها وأكثر وهذا هو القبول الحسن لمريم بين العالمين لقد تلهف كبار بني إسرائيل من أحبار ورهبان إلى هذه المولودة يريد كل منهم أن يتكفل برعايتها ويصور القران الكريم هذه الحالة بقوله " ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) آل عمران. تأمل قوله تعالي " يختصمون" في ما ذا يختصمون ؟ يختصمون أيهم يكفل مريم ؟!!! لم يستطيعوا حسم هذه الخصومة إلا بالاقتراع " يلقون أقلامهم" وهذه طريقة من طرق القرعة فوقعت القرعة على نبي كريم هو زكريا .
المنحة الثانية :- وأنبتها نباتا حسنا:-
الإنسان عموما ينموا كالنبات يبدأ بالضعف ثم من بعد الضعف قوة ثم من بعد القوة ضعفا وشيبة والله يقول عن الإنسان عموما " والله أنبتكم من الأرض نباتا " لكن وفي حالة مريم وصف إنباتها بالحسن فيمكن لنا ان نتصور النبتة الصغيرة وهي تنمو رويدا رويدا وفي كل يوم تزداد شيئا جميلا ورقة خضراء أو ساقا قوية او زهرة يانعة نشأت مريم في ظلال هذه المنحة كذلك فبدت جميلة في كل شيء في خلقتها وفي خُلقها مبرأة من العيوب في بدنها زاكية النفس طاهرة القلب هذا هو النبات الحسن
المنحة الثالثة :- وكفلها زكريا
أصحاب البيوت الراقية يختارون لأبنائهم أفخم المدارس وأكفأ المربين ولان مريم أصبحت في عهدة ربها فقد اختار لرعايتها والقيام بشأنها نبيا من أنبيائه وهل هناك في البشر من هو ارقي من الأنبياء ؟ واختار لها أفخم مكان في الأرض وهو المحراب فاطهر بقعة في الأرض هي المسجد وارقي ما في المسجد هو المحراب يقول تعالي" وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)آل عمران .و"كفلها" قرئت بتخفيف الفاء وبتشديدها فقرأ الجمهور بتخفيف الفاء أي تولى كفالتها ، وقرأ حمزة ، وعاصم ، والكسائي ، وخلف " وكفلها" ، بتشديد الفاء أي أن الله جعل زكريا كافلا لها ، فعلي التخفيف يكون زكريا في محل رفع فاعل أي أن زكريا هو الذي طلب أن يكفلها وعلى التشديد يكون زكريا في محل نصب مفعول به ثاني أي أن الله ألزم زكريا بكفالتها ونظرا لان القراءتين في الآية كالآيتين كما يقول علماء القرآن فان الذي حدث هو أن زكريا طلب مع من طلب من كبراء بني إسرائيل كفالة مريم والله هو الذي الزم زكريا بكفالتها وكان كلما دخل عليها وجد عندها رزقا وقد اشتهر القول بأنه كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف وليس في الآية ما يدل على ذلك وليس هناك رواية صحيحة بذلك واختزال الرزق في انه كان يجد فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف هو تقليل لما أراد الله له التكثير فقد جاءت كلمة رزق نكرة للدلالة على كثرته وفخامته ،كقوله تعالى : (...إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) ((سورة الأعراف ٧/ ١١٣)) ومنه قول العرب : إن له لإبلاً , وإن له غنماً أي ابل كثيرة وغنم كثيرة . وترك كلمة رزق كما هي في الاية دون تحديد تعني الكثير ففكل مرة يدخل عليها زكريا المحراب يجد رزقا مختلفا عما رآه من قبل رزق كثير ومتنوع وشامل رزق مادي ومعنوي الى ابعد الحدود انه العطاء الالهي اللا محدود وكما قالت مريم عندما سالها زكريا " ان الله يرزق من يشاء بغير حساب "
إن هذه الألطاف والمنح الإلهية التي أحاطت بمريم كانت استجابةً لدعاء أمها الصالحة " فتقبل مني " وقابل تضحيتها بمولودتها بعطاء بلا حدود وألطاف إلهية واسعة وشاملة جعلت من مريم آية للعالمين وقد حدث ذلك مع آل إبراهيم كما رأينا وهو درس لنا ليفتح كل منا قلبه لله ويسلم أمر أولاده وأمواله وشئونه لله ويقف فيهم عند حدود ربه, ويكل إليه رعايتهم فيتولى الله رعايتهم وينبتهم النبات الحسن ويتقبلهم القبول الحسن ويعيذهم من الشيطان الرجيم فإن الله قد تكفّل لعباده المؤمنين باستجابة دعائهم بما فيه المصلحة لهم، الأمر الذي يدفعنا إلى أن نلجأ إليه في كل ما يتعلق بحياتنا وحياة أولادنا. وفي الحلقة القادمة ننتقل إلى المنح والألطاف الإلهية لمريم بعد أن كبرت.