السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

أود في هذه المشاركة المتواضعة أن أتطرق الى تأويل المثلين المضروبين للمنافقين في سورة البقرة, خاصة المثل المائى الذي وقع فيه الاختلاف و الاشكال, فأرجو منكم أهل الاختصاص تصويبي ان كنت مخطئا.

بعد اطلاعي على عدة تفاسير(ابن جرير الطبري, ابن كثير, ابن الجوزي, ابن القيم الجوزية, ابن تيمية, ابن عاشور و الرازي) و بعد تدبري و اجتهادي المتواضعين, هداني الله تبارك و تعالى الى ما يلي:

مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلمّا أضاءت ماحوله ذهب الله بنورهم و تركهم في ظلمات لا يبصرون

يشبّه الله تبارك و تعالى المنافقين في بقائهم على الضلال و عدم اهتدائهم بالرغم من مجيء الهدى بين أظهرهم بقوم بقوا في الظلمات لا يبصرون الطريق و لا يهتدون السبيل و لا يمشون بالرغم من مجيء نار مضيئة بين أظهرهم.

هؤلاء القوم لقيهم في سفرهم ليل شديد الظلام, فاستوقدوا نارًا ليهتدوا بها السبيل, فلما أضاءت ماحولهم سرعان ما سلبهم الله ذلك النور( الناتج من تشتت و انعكاس ضوء النار في محيطها) و حجبه عن أبصارهم فأبقاهم و تركهم في الظلمات لا يبصرون الطريق و لا يمشون بالرغم من بقاء النار مضيئة بين أظهرهم فما هم بمهتدين بل هم في الظلمات منغمسون غير خارجين منها.

كذلك المنافقون في المدينة كانوا على ضلال و لمّا جاءهم الهدى نبذوه وراء ظهورهم و استحبوا البقاء على الضلال و الكفر كرها و حسدا من عند أنفسهم فعاقبهم الله تبارك و تعالى بأن طبع على قلوبهم و أعمى بصائرهم عن الهدى فماهم بمهتدين بل هم في ظلمات الكفر و الشك و الجهل و الحيرة و الضلال منغمسون غير خارجين منها بالرغم من بقاء الهدى بين أظهرهم.

النار: مصدر مضيء بذاته متكون من حرارة و ضوء. اضاءة النار لما حولها (تشكل النور) تحدث بفضل انتشار ضوءها و انعكاسه في الهواء الموجود في محيطها(ما حولها), هذا الهواء متكون من: جزيئات الأكسجين, جزيئات بخار الماء و حبيبات الغبار المتسبّبة في التقاط أشعة الضوء و تشتيتها و انعكاسها.
قال تبارك و تعالى"ذهب بنورهم" ولم يقل بنارهم أو بأبصارهم :
فالله تبارك و تعالى ذهب بالنور( الفرع) و لم يذهب بالنار (الأصل), فالنار بقيت بحرارتها و ضوئها, لكن اضاءتها لماحولها (انتشار الضوء) لا تحدث كأن الله جعل بين النار و محيطها حائل أو حجاب, كذلك المنافق لا يدخل الهدى الى قلبه و لا ينتشر فيه لان الله طبع على قلبه و ختم عليه فجعل بينهما حائلا.

ومن شدّة استحبابهم الضلال و كرههم للهدى الموجود بين أظهرهم, أصمّ المنافقون آذانهم عن سماع الهدى و امتنعوا عن السؤال عليه و النطق به و رفضوا الابصار اليه بأعينهم, فشبههم الله تبارك و تعالى بالصم البكم العمي و بأصحاب الصيّب,

فقال فيهم صمّ بكم عمي فهم لا يرجعونأو كصيّب من السماء فيه ظلمات و رعد و برق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت و الله محيط بالكافرينيكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه و اذا أظلم عليهم قاموا و لو شاء الله لذهب بسمعهم و أبصارهم انّ الله على كل شيء قدير

يشبّه الله تبارك و تعالى المنافقين في شدّة امتناعهم عن سماع الهدى و ابصاره و السؤال عنه و التكلم به و في عدم اهتدائهم في ظلمات الكفر و الكذب و الضلال, بالصمّ البكم العمي في شدّة تعطّل و امتناع حواسهم (سمع,بصر,نطق) عن الادراك و عدم اهتدائهم في ظلمات الصمم و العمي, و بأصحاب الصيّب في شدّة امتناعهم عن سماع الرعد (صوت الصواعق) وابصار البرق و عدم اهثدائهم في ظلمات اليل و السحاب و المطر.

أو: للتخيير بين تشبيههم بالصم البكم العمي أو تشبيههم بأصحاب الصيّب.
وجه الشبه بين المنافقين و أصحاب الصيّب: تعطيل السمع و تعطيل البصر.
و لهذا قال تبارك و تعالى في آخر الآية:
و لو شاء الله لذهب بسمعهم و أبصارهم انّ الله على كل شيء قدير جزاءًا و عقابا لهم لتعطيلهما و امتناعهم عن الانتفاع بهما.

هنا خرج الكثير من المفسرين عن السياق الذي جاء فيه المثل, فقالوا ضرب مثلا لقلقهم, خوفهم, حيرتهم, لحالهم مع القرآن.....الخ, فحسب رأيي المتواضع فقد أصابوا جزءا يسيرا من المعنى. و قد وجدت ابن جرير الطبري الأقرب من السياق.

و قالوا كذلك أنّ أو جاءت بين المثل المائي و المثل الناري: جملة كصيّب استئناف لجملة مثلهم كمثل الذي استوقد, عكس الظاهر من الآيات الذي يبيّن أنّ أو جاءت بين جملة الصم ابكم العمي و جملة كصيّب من السماء, و لم أجد دليلا صريحا يستندون عليه في قولهم هذا إلّا ابن جرير الذي غيّر ترتيب الآية و قال أنّ جملة الصم البكم تأتي في المعني قبل المثل الناري.

الصمّ: جمع أصم الذي لا يسمع, البكم: جمع أبكم الذي لا يتكلم, عمي:جمع أعمى الذي لا يبصر, فمن كانت فيه هذه الثلاث صفات معا: فإنّه لا يسمع من يرشده و لا يبصر علامات الإرشاد في الطريق و لا يسأل عن الإرشاد و لا ينطق به, فكيف يهتدي؟ فالهدى مستحيل في حقّه , فهو منغمس في ظلمات الصمم و العمي متحيّر متوقّف لا يهتدي السبيل و لا يمشي في الطريق إلاّ بمساعدة شخص آخريسمع و يرى و يتكلم.

أصحاب الصيّب يمتنعون عن سماع الرعد حذر الموت و يمتنعون عن ابصار البرق في السماء لحرصهم الشديد على رؤية الطريق في الارض و المشي فيه (مدّة الإضاءة قصيرة جدّا فلو أبصروا البرق (متكون من حرارة و ضوء) في السماء لأضاعوا فرصة رؤية الطريق في الأرض و تعطّلوا عن المشي, و تكرر الإضاءة (النور: الناتج من تشتت و انعكاس ضوء البرق في السحاب و الأرض ) مع قصر وقتها يسبب عمى العين, لذا قال " يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه") هم في الظلمات (اليل, السحاب, المطر, الظلمة الحاصلة بعد النور) منغمسون متوقفون, لا يمشون إلاّ بنور البرق الذي يبيّن لهم الطريق.

كذلك المنافقون يمتنعون عن سماع الهدى و ابصاره و السؤال عنه,هم في الظلمات (كفر, شكّ, كذب, ضلال...) منغمسون متوقفون لا يهتدون و لا يمشون في طريق الإسلام إلاّ بالمؤمنين الذين يلاقونهم و يظهرون لهم الإيمان فيبيّنون لهم الدين و يرشدونهم لأنهم يحملون نور الهدى في قلوبهم, و إذا فارقوهم عادوا الى ظلمات جهلهم و ضلالهم و حيرتهم لا يعرفون شيئا, قال عزّوجلّ " وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنّا و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزؤون" و يقول عزّوجلّ " أو من كان ميتا فأحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زيّن للكافرين ما كانوا يعملون" (الأنعام 122). قال مقاتل" كلما أضاء لهم مشوا فيه و اذا أظلم عليهم قاموا : إضاءته تكلمهم بالإسلام, مشيه فيه إهتدائهم به", فالمنافقون يتكلمون بالإسلام عند ملاقاة المؤمنين و إهتداؤهم بالإسلام يكون بالإقتداء بالمؤمنين و تقليدهم.

فالمثل الناري يصوّر تعطّل القلب عن تقبّل الهدى, و المثل المائي يصوّر تعطّيل السمع و البصر, و قبل ذكر المنافقين, تكلّم الله عن الكفّار فقال فيهم " ختم الله على قلوبهم و على سمعهم و على أبصارهم غشاوة" فذكر أيضا السمع و البصر .

والله أعلم.