سُلَّم الأخضَري مَنظومةٌ في عِلم المنطق تقعُ في أربعةٍ وأربعين ومئة بيت . نَظَمها العلَّامةُ عبد الرحمن بن محمد الأخضري (ت: 983هـ) تعالى ، قبل أربعةِ قرونٍ وَنيِّفٍ .
والمؤلِّف جزائريٌّ من عُلماء القرن العاشرِ ، مالكيُّ المذهبِ ، صوفيُّ أشعريُّ ، تقليداً لمشايخه ، لكنه مُعظِّم للسُّنة في غالب مؤلفاته ، وشعره الأدبيُّ تظهر فيه علامات الإستقامة ونبذ البدع والخرافات .
وقد كانت بِيئةُ المؤلِّف ( الجزائر ) – وما زالت – مرتعاً للجهلِ والفتنِ ، وقد أشار في منظومته ( السُّلم المنورق في علم المنطق ) إلى فساد أهلِ زمانه وتسلُّطهم على أهل الصلاح والتقوى :
وقل لمن لم ينتصف لمقصدي .. العذرٌ حقٌّ واجبٌ للمبتدي
لا سِّيما في عاشرِ القُرونِ .. ذِّي الجهلِ والفسادِ والفتونِ
وقد صدق حَدسهُ ويقينهُ تعالى ، فقد رأيتُ قبره بعيني وقد أقيم عليه ضريحٌ في غُرفةٍ مُزخرفةٍ مُنمقةٌ ، مُلحقةٌ بمسجدِه وزاويتهِ ، ومظاهر الشرك عنده بادية ، وأصوات الجهل حوله حادية ، فيا لله العجب ، ما أسرع عُقوق الرؤساء لعُلمائِهم ، وما أعظم ضياع رسوم الدِّين من جهالهم! .
وهذه حاشيةٌ مفيدةٌ أمليتها على بعضِ الطلبة حين تدريسي لهذا السُّلم ، وقد راجعتُها وهذَّبتُها لينتفع بها من يقف عليها من المتعطِّشين لهذا العلم .
وقد امتثلتُ لِنصحِ الأخضري – تعالى – الذي طلب في سُلَّمهِ أن يأتي بعده من يُصلحهُ وأن يُسامحه على زلَّاته وسهوه ، فقد قال :
وكن أخي للمُبتدي مُسامحاً.. وكن لإصلاح الفسادِ ناصحاً
وأصلح الفسادَ بالتأمُّل .. وإن بديهة فلا تبُدِّلِ .
وهذا أوان الشروع في المقصود ، والله وليُّ التوفيق:
(أ)سببُ تأليفِ الأخضريِّ للسُّلم :
أشار الأخضريُّ في مقدمة السُّلم في البيت الحادي عشر وما بعده ، إلى أنه أراد نظم مَدخلٍ للفوائدِ والقواعدِ المنطقيةِ التي يَحتاجها المتعلِّم عند شُروعه في مُطالعة المُطوَّلات من الكتب المختلفة ، حيث قال :
فهاك من أُصوله قواعداً.. تجمعُ من فُنونه فوائداً
وأن يكون نافعاً للمبتدي .. به إلى المُطوَّلات يهتدي
والمُطوَّلات التي قصدها الأخضريُّ هي مُصنَّفات المنطق لبعض أهل العلم والمتكلمين والفلاسفة أمثال :ابن سينا (ت: 428ه) وابن حزم (ت: 456هـ) والقزويني (ت:463ه) وأبي حامد الغزالي (ت: 505هـ ) والآمدي (ت: 631هـ) والرازي (ت: 766هـ) وزكريا الأنصاري (ت:926هـ .
والمعروف أن بِلاد المغرب العربي أُشتهرت بالتدقيقِ والتنقيرِ عن المسائِل العقليةِ والكلاميةِ مُنذُ عُقودٍ طويلةٍ ، فبعد ظُهور ” محمد بن عبد الله ابن تومرت(ت: 524هـ) الذي بدأ دعوته الإصلاحيةِ المُريبة على ركُام المذاهب
السياسية والكلامية التي عاثت في المغرب فساداً وضلالاً ، وكانت سبباً لبحث المسائلِ الخلافيةِ العقديةِ ،
ظهر بَعدهُ فكرٌ جديدٌ بنحو ثلاثة قرون للعلامة المؤرِّخ ابن خلدون (ت: 808 هـ) تعالى ،الذي أخرج لبلاد المغرب والمشرق ما عرف بمنطق ابن خلدون وفلسفته التأريخية والإجتماعية ، وكانت آراوؤه مَحلَّ جَدلٍ طويلٍ
بين أهل المشرق والمغربِ إلى اليوم ثم ظهر في مدينة ” تِلمسان ” الجزائرية المصلح الزاهد ” محمد بن يوسف السنوسي(ت: 895هـ) تعالى ، وهو مُصنِّف الكتب المشهورة عند المالكية والأشاعرة مثل : ” العقيدة الكبرى ” و ” العقيدة الوسطى ” و” العقيدة الصغرى ” وتُسمَّى أم البراهين ، و” شرح إيساغوجي ” في المنطق “! .
فيَسَتفادُ مما سبق أن الحركات الكلامية والفلسفية والإجتماعية والدينية التي سبقت الأخضري كانت سبباً مباشراً – فيما يبدو-لإقناع الأخضري بتصنيف سُلَّم المنطق، لضبط العلوم والمدركات المختلفة .
فإذا كان بين ابن تُومرت والأخضريِّ نحو أربعة قرون ونيِّف،وبين ابن خلدون والأخضريِّ نحو خمس وسبعون ومائة سنة ، وبين السنوسي والأخضريِّ نحو ثمانٍ وثمانين سنة ، فَيُستخلصُ أن هذه أسباب زمانية لها جذور تراثية ، أثَّرت في تكوين الجانب العلميِّ والدينيِّ للأخضري ، وكانت مُحفِّزاً للبيئة الجزائرية لتجديد الجوانب الإيمانية والعلمية في بلاد المغرب .
(ب): موضوعات سُّلم الأخضريِّ :
سُّلم الأخضري اشتمل على موضوعات رئيسة وموضوعات تابعة .
• الموضوعات الرئيسة هي :
حُكم تعلم المنطق ، أنواع العلم الحادث ، أنواع الدلالات الوضعية ، مباحث الألفاظ ، نسبة الألفاظ للمعاني ، بيان الكل والكلية والجزء والجزئية ، المعرفات ، القضايا وأحكامها ، التناقض ، العكس المستوي ، القياس ، الإشكال ، القياس الإستثنائي ، لواحق القياس ، أقسام الحجة ، طريقة معرفة خطأ البرهان .
• أما الموضوعات التابعة فهي :
القضايا اللازمة ، نتائج العقل ، التصوُّر ، التصديق ، حدُّ العلم والجهل ، النظري والضروري ، الدلالات ، العقل وهو القوة المدركة ، الجزئي والكلي ، الكليات الخمس ، اتحاد اللفظ والمعنى ، تعدُّد اللفظ والمعنى ،الحد التام والناقص ، والرسم التام ، والرسم الناقص ، والتعريف باللفظ ، الإطراد والعكس ، الفرق بين الحد والرسم ، القضية الشرطية والحملية ، القضية الشخصية ، القضية المهملة ، القضية الكلية ، القضية الجزئية ، الموضوع والمحمول ، الشرطية المتصلة ، الشرطية المنفصلة ، المانع والخلو ، التناقض الموجبة والسالبة ، المقدمة الصغرى والكبرى ، إجتماع الخستين ، متصل النتائج ومنفصل النتائج ، الجدل ، القضايا المشهورة ، الخطابة ، السفسطة ، الشعر ، اليقينيات النظر الصحيح.
(ج) : طريقة الإفادة من سُلَّم الأخضري :
بالإطلاع والتبصُّر والتأمُّل في سُّلم الأخضري وتكراره ، يُمكن معرفة طريقة الإستدلال المنطقي ووضع الفرضيات والمُقدِّمات والتقريب بينها وإستنباط نتيجة صالحة أو طالحة .
وكذلك يُمكن التعرُّف على أنواع البراهين والمقارنة بينها ، وإكتشاف العِلل في مآخذ الادلة ونقدِها والحُكم عليها بحسب الأقيسة وأقسامها .
وهناك طريقةٌ مُجربةٌ استفدتُ منها أثناء دراستي لهذا السُّلم وتدريسه وهي : حصر جميع الأمثلة في شرح السُّلم سواء الشروح المكتوبة أو المسموعة ، والتعرُّف على أدلتها وقواعدها ، ثم بناءُ أمثلةٍ جديدةٍ لترسيخ النتيجة المرجوةِ من القاعدة أو الدليل ، وهكذا حتى تُصبح المادةٌ سهلةٌ وميسرةٌ .
ويُشترط لذلك ثلاثة شروط : الفهم التام ، الربط بين الكلام ، التطبيق .
وفي نظري أن الذي صعَّب عِلم المنطقِ، سواء سُّلم الأخضريِّ أو غيره ، هو التشبُّث بالأمثلة والأقيسة القديمة التي طفحت بها مُصنفات القدماء ، وعدم إيراد أدلة جديدة تُناسب بيئة الناس وحاضرهم ، مما سبب نفوراً عند قراء هذا العلم وشعوراً بوعورة مسالكه وقضاياه .
وكذلك الإغراقُ في غوامض المسائلِ التي لا تترتبُ عليها كبيرٌ فائدةٍ في هذا العلم ، فالصحيحُ التركيزُ على الأمثلة ، ثم تناول المصطلحات والمسائل ِبقدر السعة والطاعة حتى تتفتح للطالب فِجاج هذا العلمِ ومسالكه الضيِّقة .
(د) : محاسن سُّلَّم الأخضريِّ وعيوبه :
يتميَّزُ هذا السُّلم بتذليله طُّرق الإستدلال والقياس ومعرفة البراهين وأنماط الأدلة وأنواع الدلالات . والسُّلم ألفاظهُ سهلةٌ ومُستملحةٌ ، وعباراته عذبةٌ مُنيرةٌ ، وليس فيه تعقيدٌ لفظيُّ أو تركيبيُّ .
أما عُيوبهُ فهي عيُوب المنطق الصُّوري بشكلٍ عام ، كما ستأتي أدناه .
ويُمكنُ الرجوعُ إلى مقال ” نقد المُقِّدمة المنطقيةِ في مُدونتي للوقوفِ على بعضِ ما أشرتُ إليه هُنا .
وابتداءاً فإنَّ الإدراك والتدبُّر بحواس الإنسان المذكورة في القرآن تُغني عن كثيرٍ من قضايا المنطق التي أشغل بها أهلُ اليونان أهلَ الإسلام .
ويمكن الإستغناءُ عن أدلة المنطق بمعرفة الأشباه والنظائر والقياسِ الشرعيِّ الموزونِ بالوحيين وبكلام العلماء المُخلصين .
وليس ببعيدٍ أن هذا العلم دسيسةٌ كان القصد منها نقضُ العقيدة الصحيحة في قلوب المسلمين ، وقد نجحوا في بعضِ ذلك ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
فقد نفوا عن الله بعض أسمائه الحسنى وصفاته العُلى ، بالكليات الخمسة عند المناطقة وهي : الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام ، وهي لا تزيد عِلماً للجاهل ولا نوراً للضائع التائِه ، بل هي تعمُّق وتكلُّف بلا معنى صحيح .
ثم إن هذه القواعد مبنيةٌ على فكرٍ يُونانيِّ وثنيِّ عاش في ظُلماتٍ وغيِّ وإلحادٍ ، نسأل الله العافية .
والتعاريف والإصطلاحات التي يُردِّدونها ليست مُنضبطة لأنها تستلزم الدور في العِللِ والأسبابِ ، فلا يُمكنُ الإعتمادُ عليها في فَهمِ العِلم فهماً مُطلقاً .
والمناطقةٌ يقولون بالقياس الشموليِّ ولا يقولون بالقياس التمثيليِّ ، بل يعيبونه لأنه القياس الشرعي الإسلامي ، ويزعمون أنه لا يقومُ على إستقراءٍ تامِّ بل على إستقراء ناقصٍ ، فينتج من هذا عندهم أنه لا يُفيدُ عِلةً للحكم فيجب ردُّه ونبذه ! .
وكثيرٌ من البراهين والأقيسة عند المناطقة تفتقرُ إلى دليلٍ قويِّ لإثباتها ، لأنها غير مُنضبطة بل سالبة عامة أو كلية .
وهذا ملُاحظٌ في كثيرٍ من مُصطلحات المناطقةِ ، فليحرر.
ثم إن القياس الشُّمولي الذي يُوجب المناطقة تعلُّمه ، لا يمكن ضَبطُ جزئياته ومُفرداتهِ ، لأنها غيرُ مُسلَّمة وغير مستقرة ٍفي النفوس عامة ، بل إن الفطر والقلوب تستغني عنه بما جبلها الله عليه من الفهم والإدراك والملاحظة والإستقراء البدهيِّ الذي تُدركه حتى العجائز ! .
ولو عرَّجنا على مُصطلح الحدِّ الذي عظَّمه المناطقةُ لألفيناهُ من أعجب الُأمور ، فهو مُصطلحٌ لا يُمكنُ تَعميمهُ، لأن جميع أرباب الحِرفِ والصناعاتِ وحتى الأطفال يستغنون عنه ، فهو تكلُّفٌ يُؤدِّي إلى الحيرة والغفلة ، ولا حاجة للعاقل للإشتغال به لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ .
وفي كتاب الله وسنة رسول الله ، وفي لُّغة العرب ما يُغني عن هذه الحدود المنطقية التي يُلزم المناطقةُ بها الناس حتى يحصلوا على التصورات والتصديقات التي يزعمونها ! .
ومما يجبُ التنبيهُ عليه هنا : أن هذه الأدلة والأقيسة التي يتكلَّفُ لها المناطقةُ ومن فَرِح بها من أبناء العصور القديمة والحديثة لم تَفتح لهم باب خيرٍ ولا هُدى ، لا في توحيد الألوهية ولا في توحيد الربوبية ولا في توحيد الأسماء والصفات ، ولا في الملائكة ولا في الجن ولا في النبوات ، ولا في باب القدر والبعث ولا في باب الخلق والكون ، بل زادتهم ضِّيقاً وضَنَكاً وحَيرةً ، حتى عند المُسلمين المُعجَبين بهم .
وقد أعجبتني عبارةٌ قرأتُها قديماً أن الإمام ابن تيمية(ت: 728هـ) تعالى قال في مجموع الفتاوى – نسيتُ موضعها الآن– إنَّ حُذَّاق الفلاسفة لا يَلتزمون بقوانين المنطق في عُلومهم ، إما لِطولها وإما لعدم فائدتها .
وإذا كان هذا السُّلم مُستفادٌ أساساً من منطق أرسطو ، فيَحسنُ التنبيهُ على بعضِ المعالمِ المهمة للوقوف على الإستدراكات التي نبَّه عليها المُشتغلون بهذا العلم ، من المسلمين وغير المسلمين :
1- أشار أرسطو الى أنواع القياس الاستقرائي والجدلي والخطابي، لكنه اعتنى بالقياس الكُّلي الشُّمولي الصُّوري ، وقد سمَّاه القياس البرهاني .
طريقة ارسطو في استخدام هذا القياس تتمثل في : الاستقراء من الجُزء إلى الكل ، ثم جمع الجزئيات للظاهرة الواحدة وتحليلها وتمحيصها ومقارنتها ، ثم الاستنتاج منها وبذلك يخرج لنا النتيجة أو القياس الكلي البرهاني.
وقد أشار أرسطو إلى قاعدة مهمة في كثير من كتبه وهي : ضرورة ممارسة القياس الإستقرائي مع الصغار وأحياناً مع العوام ، أما القياس الصُّوري الإستنباطي فيكون مع المختصين فقط .
وهذه مغالطة وقع فيها أرسطو ونقلها عنه المُتفلسفة من المسلمين والمستعربين ، وهي أن جميع أنواع الأقيسة فطرية في البشر لا تحتاج إلى قانون لتنظيمها بين أصناف الناس في العادة لسببين ، الأول : أن أنواع القياس مُرتبطة ببعضها ، لأن العلاقة بين القياس الصُّوري والإستقرائي علَاقة فرعٍ بأصلٍ ونتيجةٍ بمقدمةٍ ، فالصُّوري فرعٌ من الإستقرائي ونتيجة لمقدمته .
الثاني : أن موضوع الفِكرة أو البحث هي التي تُحدِّد نوع القياس ، فالعمرُ أو المهنةُ أو جِنسُ الإنسانِ أو صِّفتهُ لا عَلاقة لها بتحديد الأقيسة .
2- أرسطو يُدلِّسُ ويَخلطُ لأسبابٍ مذهبيةٍ وعلمية بين القياس الإستقرائي والصُّوري ، فالأول هو من الأقيسة الجزئية التي تقومُ عليها كُّل العلوم ، والثاني نتيجةٌ من نتائج القياس الجزئي .
وقد زعم أرسطو أن القياس الصُّوري هو من المُقدِّمات الكلية ، لأنه يعتقد أن الكليات نتيجة للقياس الجُزئي ، وهذا خطأٌ أقرَّ به حتى عُلماء الغربِ اليوم في جامعاتهم وبحوثهم .
والصحيح أن القياسَ يجبُ أن يكون بمعرفة الكُليِّ والجزئيِّ معاً ، لا تقديم أحدهما على الآخر في الذِّهن كما يُقرِّره أرسطو في مصنفاته .
والقاعدة المشهورة التي يُردِّدُها المناطقة : ” لا عِلم إلَّا بالكليات ” قاعدة مَغلوطة تلقَّفها المناطقةُ من التأسيس السابق دون تمحيص وتهذيب لمعناها ومغزاها ، فَضَّل بسببها فِئامٌ كثيرةٌ من أهل المذاهب .
فالصحيح العلِمُ بالجزء ثم العلم بالكُّل . ولهذا نجد في القرآن أدلةً كثيرةً على تقديم الجُزء على الكُّل ، كقول الله تعالى : ” عالِمُ الغيب لا يعزب عنهُ مِثقالُ ذرةٍ في السمواتِ ولا في الأرضِ ولا أصغرَ من ذلك ولا أكبر” ( سبأ : 3 ) ، وقوله سبحانه : ” وما تكونُ في شأنٍ وما تتلو منهُ مِن قُرآن ٍولا تعملون من عملٍ إلا كُنَّا عليكم شهوداً ” ( يونس:61) .
فربُّنا سبحانه يخاطب الخلق أنه يعلم ما يعملونه وما يُشاهدونه ، سواءٌ كان محتقراً عندهم أو عظيماً في عُيونهم وقلوبهم .
ومما يؤكد ما سبق أن صناعة المهن مثلا تبدأ بجزء صغير ثم تكبرُ رويداً رويداً حتى تكتملَ ، كالبِناء والخِياطة وحفرِ البئر وسقي الزرع وكَنس القُمامة ، ونحوها من المِهن والمشغولات .
3- أرسطو لا يجيز الإستقراء إلا إذا كان بحس وحواس لأنه يعتقد أنه من الكليات ، وأنه أبين وأكثر إقناعاً . وهذا الحكم إفتئاتٌ على أنواع القياس الأخرى وتحجيم وإستصغار لها . والصحيح أن الإستقراء وغيره من أنواع الأقيسة تصح إذا كانت بتأمُّل ورويَّة ونظرٍ ثاقب .
4- أرسطو جعل المِعيار بين الحق والباطل هو إتقان علم الجدل دراسةً وفهماً ، بغضِّ النظر عن الحقيقة من وراء ذلك ، وسببُ ذلك أنه يعتقدُ أنَّ الجدل علِمٌ ظنِّي لا يُوصلُ إلى النتيجة الصحيحة ، وكان يُسمِّيه مَنطقُ الإحتمال.
وهذا التقعيد من أرسطو مُخالفةٌ لشيخة أفلاطون الذي كان يعتني بالجدل وينظرُ له نظرةً يقينية عالية، وهو عنده من الضروريات للوصول إلى الحقيقة ، وكان يصفهُ بأنه الرافع للعقلِ من المحسوس إلى المعقول .
5- أرسطو خالفَ تأسيسَ قواعد القياسِ التي قعَّدها أفلاطون لتلاميذه وطُّلابه التي رويت عنه واشتهرت ، والتي كانت تُسَّمى القِسمة الثُّنائية الأفلاطونية وهي :أن الجدل نوعان صاعدٌ ونازلٌ.
فالصاعد يبدأٌ من الإحساسِ إلى الظنِّ، إلى العلم الاستدلالي ، الى المعقول ، الى أن يصل إلى العِلم بالكُليِّ ، والنازلُ ينزل من أرفعِ الكليات الى أدناها ، بتحليلها وترتيبها الى أجناس وأنواع.
6- أرسطو في مُقدِّماتِه للقياس الصُّوري أو البرهاني كما يُسمِّيه ، استفاد من فلسفة السُّوفسطائيين الذين سبقوهُ في تعليم الناس التلاعب بالألفاظ ، واستخدام المغالطات لإفحام الخصوم ، ولهذا سَمَّى المُحقِّقون هذا القياس بالقياس الصُّوري ، فهو شكلي لا مضمون حقيقي له ولا لقيمتهِ في الميزان العلمي .
وسبب ذلك أنه اعتنى بمعرفة العِلةٍ أولاً وآخراً ، ووصفها بالأمر الكُليِّ، وأغفل ما عداها من قضايا حالية أو كيفية ووصفها بالأمر الجزئي ، ففي ميزانه يكون البرهانُ الأقوى هو الكُلي .
وهذا التدليس المُتعمَّد – الذي أبان عنه باحثون غربيُّون اليوم – من أرسطو القصد منه جعل الجزئيات من نتائج أقيسة الكليات ، والصحيح العكس كما تشهد به العقولُ الصحيحةُ والفِطرُ المستقيمة.
ومثال ذلك الزرعُ اليابسُ الذي يُضربُ به المثل في القرآن في هَوان الدُّنيا وسُرعة إنقضائها ، أوَّله حبةٌ فماءٌ يسقيها ، ثم خُضرةٌ وبهجةٌ ، ثم يبُسٌ وتكسُّر وتفتُّت وزوال .
فهذا المثَلُ الكُّلي جاء من القِياس الجُزئيُّ الذي يعرفه أهلُ الألباب المدركة الواعية .
7- الأقيسة التي يتشدَّق بها المناطقة ويتكلَّفون لها من عهد أرسطو الوثني ، ثم أبي نصر الفارابي (ت: 339هـ) المُتفلسِف ، مروراً بابن سينا(ت: 428هـ) الباطني المتمنطق ، ثم ابن رشد (ت: 595هـ ) المُقلِّد، ثم أبي جعفر الطُّوسي (ت: 672هـ) الرافضي ، هي في الأصلِ لا وجود لها في الأذهان إنَّما وجودها في الأعيان ، فلا يمكن ضَبطُها ولا حَصرُها ولا تحديدُ معالمها ، وهذا يؤُكد زيفها وكونها مُهلهلَة لا ثباتَ لها في القلب ولا في العقل ، فكيف إذن يتم تعميمُها وجعلها أصلاً للنظر والتفكير .
ولو فتشَ عَاقلٌ فَطنٌ عن أسانيد هذه الأقيسة – إن وجدت – لوجدها منقولةً عن المتُفلسفة عن الصابئة عن الوثنييِّن عن المشركين ، الذين فاق شِّركهم شِّرك العرب ، عياذاً بالله تعالى .
8- الله وهبَ البشر الحواس الثلاثة الرئيسة للمعرفة والعلم والإدراك واليقين ، ويستوي في هذا الكبيرُ والصغير والذكيُّ والأحمق والقادرُ والأخرق ، لكن تَلك الحواس تَضعفُ أو تتوسطُ أو تَقوى من فئةٍ دون أخرى . ويُشترطُ للإفادة من الحواس الثلاثة الرئيسة فهم اللُّغة ومُخالطة الناس ، والتروِّي والتعقُّل في الأقوال والأفعال . وقد ثبتَ أن رجلاً كان في عهد النبي وكان يُخدع في البيوع ، فقال له الرسول : ” إذا بايعتَ فَقل لا خِلابة “. متفق عليه.
ولما جاءه رجلٌ أقرَّ على نفسه بالزنِّى ، قال له : ” أبِك جُنونٌ ؟ ، فقال : لا ، فأمرَ بِرجمهِ “. متفق عليه .
9- اشتراط مُقدِّمتينِ للبُرهانِ بصورةٍ مطلقةٍ غيرُ صحيح ، فقد ثبتَ بالمعقولِ والمنقولِ وجود براهينَ بخمسِ مقُدِّمات مَنطقية وربما أكثر ، مثل حديث جبريل المشهور في الإيمان والإسلام والإحسان وأشراط الساعة ، ومثل حديث النجاشي مَلِك الحبشة ، مع رجال قريش ، ونحوها من الأحاديث الطويلة ، وهي صحيحة ومشهورة .
10- لو أن الطالبَ أطال النَّظرَ في تفسير القرآن المجيد وعلوم العقائد وعلوم العربية عامة ، لكفاهُ ذلك عن كثيرٍ من كُتب المنطق والجدل . والأولى والأسلم للمُطالعِ والطالبِ والباحثِ ، أن تكون مُذاكرتُه لهذا العلمِ بقدر الحاجة ، فما أسكر كثيرهُ فَقليلهُ حرام .
11- الإفتقارُ إلى الله تعالى واللهجُ بأسماء الله وصفاته ودوام التضرع إليه ، يُغني عن كثيرٍ من موادِّ المنطقِ البشريِّ اليوناني.
وقد قال الله تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فُرقاناً “( الأنفال:29) والفُرقان هو النور والطريق الصحيح الهادي إلى الحق والصواب ، في الأمور العلمية والعملية .
12- أُوصي نفسي ومن يقرأُ هذه الكلمات ، بمطالعة كتب أصول الفقه خاصةً المبنيِة على الدليل الصحيح ، وكُتب فِقهُ الُّلغة عامةً ،كمباحث الدلالات والأضداد والحقيقة والمجاز والوجوه والنظائر ، ففي مباحثها غُنية عن كثيرٍ من كتب المنطق وأدلته.
ختاماً فإنَّ البديل الصحيحِ لعلمِ المنطقِ هو تعلُّم العربية تعلُّماً مُتقناً، وتأمُّل أحكام الشرعِ ، وتدبُّر الوحييَن ، ومجالسة العقلاءِ الحكماء ، ومدارسة أخبار الصالحين ، فهذه كُّلها تُغني عن مَنطق اليونان .
ولا بُدَّ من الإشارةِ إلى أنَّ أعظم حسنةٍ في سُلَّم الأخضري هي الدعوةُ لتعلُّم التفكيرِ وأساليبهِ وطُرقه الصحيحة والمغلوطة ، وضرورةِ العنايةِ بعلمِ أُصولِ الفقهِ تصحيحاً وتنقيحاً لأدلته ومسائلهِ ومفرداتهِ ، ليستعينَ الطالبُ بذلك كُّله على فهمِ كلام اللهِ وكلامِ رسوله صلى الله عليه وسلم . والله الهادي .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )
نَقد سُلَّم الَأخضَرِي | مدونة المتوقِّد