هذه مسألةٌ لطيفةٌ وفيها مسائل علميةٌ مَنيفةٌ ، أثمرت فرائدها وأشرقت شواهدها ، مذاكرةً بيني وبين شيخي وأستاذي الدكتور عاصم القريوتي حفظه الله تعالى ، وهي مسألة فقهية تتعلَّق بردِّ السلام في الدردشة ، في مواقع التواصل الإجتماعي


ولا غَرابة في إنزال الأحكام الشرعية على مواقع التواصل الإجتماعيِّ ، فهي من الأُمور الحادثة التي أفرزتَها الحضارة المعاصرة ، وتعلَّقت بها أحكامُ الحلالِ والحرام ، لعموم البلوى بها ، فليزم النظرُ في نوازلها كغيرها من النظائر .
المسألة : هل يجبُ ردُّ السلام كتابةً في مواقع التواصل الإجتماعي ، عند المُحادثة أو الدردشة كما يُسمِّيها بعضُ الناس ، أو يُكتفى بوجوب ردِّ السلام بين الإنسان ونفسهِ ، ثم يَردُّ المُرسَلُ إليه على فحوى الرسالة ، بدون كتابة جملة (وعليكم السلام …) ؟! .


وهنا أصلٌ مُهمُّ قبل الولوج في المسألة ، وهو أن الُأمور بمقاصدها ، وأن القيامَ بشعائر الإسلامِ الأصلُ فيه الإظهار والإعلان ، وأن الأعمال بالنِّيات . وأن الفتوى واختلافها ، تتغيَّرُ بحسب تغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوالِ والنِّيات والعوائد . والعوائد : جمع عادة .
وهذه قاعدةٌ مهمةٌ أصَّل لها ابن قيِّم الجوزية (ت: 751هـ) تعالى في ” إعلام الموقعين ” ، فَلتُراجع.


الأصل في مسألتنا أنَّ ردَّ السلام فرضٌ أو واجبٌ لا شك في ذلك ، كما أفادهُ الحافظ النوويُّ تعالى في “المجموعِ شرح المُهذَّب ” .
والوجوب عامُّ ، سواء كان في الهاتفِ أو في الطريقِ أو في المجلسِ ، أو في مواقع التواصلِ ، لقول الله تعالى :
“وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً”( النِّساء:86 ) .
وليس هذا موضعُ إيراد النُّصوص في مشروعية السلام ، فهي مشهورةٌ ومعلومةٌ ولله الحمد .


والتخريج الفقهيُّ للمسألة يظهرُ من التأصيل الأُصولي ، وهي أنها تدورُ بين الحُكم التكليفيِّ بأقسامه الخمسة ، وشروط التكليفِ وهما : القدرة والإستطاعة ، ولوازمه ، ودلالات الألفاظ على الحُكم ، ويمكن تخريجها أيضا ً على قوة السبب كما في القاعدة الأصولية : الأصل الترجيح بقوة السبب ، وقد أوردها السرخسي في المبسوط ( 7/ 77) .
فلنشرع إذن في تخريجِها على االأوجه المختلفةِ ، لاختلاف أحوال الناس ما بين قادرٍ وعاجزٍ وغافلٍ .


فالقادرُ يجبُ عليه كِتابة ردِّ السلام ، لأنه واجبٌ في حقِّه ، ولتحصيل الفضل والثواب من ذلك ، لأن لفظَ الآيةٍ يتوجَّه إلى القادرِ على وجه الخصوص في قوله تعالى : ” فحيُّوا بأحسنَ منها أو رُدُّوها ” ( النِّساء: 86) .وهذا أمر مجرد يفيد الوجوب ، والوجوب يقتضي القيام بالفعل والإمتثال للطلبِ الذي جاء به النصُّ ، وهذا اختيار جماهير الأصوليِّين .
والمقصود بالقدرة أن يكون الإنسان صحيحاً لا يشتكي من علةٍ أو آفةٍ أو مرضٍ، أو نحوها من العوائق .


والذي لا يقوم بالأمر الشرعيِّ وهو قادرٌ عليه فهو مذموم بنصِّ القرآن العظيم ، كما في قول الله تعالى : ” ما مَنعكَ ألَّا تَسجُد إذ أمرتُك ” ( الأعراف : 12) .
ثم إنه لا يجوزُ للمؤمن أن يختارَ بعد قضاءِ الله له شيئاً من تلقاء نفسه ، وقد سمَّى الله من يفعل ذلك عِصياناً لله ولرسوله : ” ومن يعصِ الله ورسولَه فقد ضلَّ ضلالًا مُبيناً ” ( الأحزاب: 36) ، وفي قوله : ” فإن تَولَّوا فإنما عليهِ ما حُمِّل وعليكم ما حُمِّلتم ” ( النور : 54) .
وهذا المعنى ينسحبُ على جميع الواجبات التي أمر الله تعالى بها ، ولا عُذر للمأمورِ في عدم القيام بها .

ويلحق بما تقدَّم أن مشروعية ردِّ السلام كتابةً عَملٌ حسن، لأن فيه طمأنينةٌ ومودةٌ للمرسِل والمرسَل إليه ، وهو من الشعائر التي جاء الشرع بوجوب إظهارها ، بل إن لفظ الآية أشار إليها في قوله تعالى : ” بأحسنَ منها ” ( النِّساء : 86) وهو يُفيد الأعمَّ والأكملَ والأبلغَ في الحُسن .


وهنا مسألةٌ أصوليةٌ مهمة أشار إليها صفيُّ الدِّين الهِندي في كتابه نهاية الوصول ( 3/ 904) ، وهي أن الأمر إذا تردَّد بين الوجوب والندب ، فإنه يُحملُ على الوجوب ، لأنه إن كان للوجوبِ حَصل المقصودُ ، وأمن من الإثم بتركه ، وإن كان للنَّدب فإن الإمتثال لا يضرُّه بل ينفعه . وهذا الحُكم مطابق لمسألتنا في أغلب الجزئيات ، و لله الحمد .
أما العاجزُ عن كتابة ردِّ السلام كالمريضِ والمعلولِ ومن به آفة ، فهو ممَّن رفع الله عنهُ الأهلية فلا يلَحقه إثم ، فيُخفَّف عنه فعل الواجبات التي لا يمكنه القيام بها ، وهذا ليس في ردِّ السلام فحسب ، بل في جميع الواجبات .


والدليل على ذلك قول أبي موسى الأشعري ، لما كان به بواسير وسأل رسول الله عن صفة أداء الفريضة فقال له : ” صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تَستطع فعلى جَنبك ” متفق عليه .
هذا في الصلاة ، فكيف بما دونها من الحسنات ! .
فقد خيَّرهُ الرسولُ إلى ما يُمكنه من القيام بالواجب في أقلِّ أحواله بما لا يَضرُّه ولا يجلب المشقة إليه .
ونحوه حديث عائشة قالت : استأذنت سودةُ النبيَّ ليلة جَمعٍ – ليلة مزدلفة – وكانت ثقيلة ثَبطة ، فأذِن لها ” متفق عليه.
فَيُفهم من هذا الحديث أن المعذور يسقط عنه الواجب لِعذره .
أما الغافل أو الجاهل – لأن الغافل يخالطه جهل في الغالب – كما هو ظاهر الحديث : ” رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أستكرهوا عليه ” أخرجه ابن ماجة بإسنادٍ حسن . فهو معذور بحسب غفلته ، لكنه يأثم إذا زال عنه سبب الجهل والغفلة فلم يفعل الواجب ، وحينئذٍ يلزمه ردُّ السلام كتابة ، لينال الأجر ولتبرأ ذِّمتُه من النُّقصان والخَلل .
ولا يُمكن تصوُّر الجهل والغفلة في ردِّ السلام ، إلا إذا كان المسلم معذوراً أو مشغولاً ، فيمكن قُبول عُذره .
والخُلاصة أن ردَّ السلام واجبٌ، سواء ردَّ بشفتيه ولم يَسمعهُ الآخرُ ، أو ردَّ بالكتابة ، لأنه امتثل الواجب إما بأعلى مراتبه أو بأقلِّها ، ومن عجز أو غفل لعذر فلا إثم عليه كما تقدَّم .
وهنا فائدة أصولية مهمة أشار إليها الإمام الشاطبيُّ تعالى في الموافقات ( 4/214) وهي أن بعض الخِلاف لا يُعتدُّ به ، ومنه الخِلاف في تفسير بعض السُّنن مع الإقرار بوجوبها في الجملة ، فلا يجوز لأهل الفتوى الإنكارُ في بعض الفروع إذا كان الخلاف يسيراً .
وقد وقفتُ على بعض الفتاوى الصوتية لبعض المشايخ الكرِام ، وفي بعضها القولُ بوجوب كتابة ردِّ السلام في مواقع التواصل الإجتماعي ، وهذا من المبالغة في تعميم الواجب بدون النظر في مُحترزاته ومُفرداته ، فيجب التصحيح ، وقد ثبت أن الرسول قال: ” إن الله لم يَبعثني مُعنِّتا ولا مُتعنِّتا ، ولكن بعثني مُعلِّما مُيسِّراً ” أخرجه مسلم .
قد يَستدلُّ بعض المشايخ على كلامهم بأن دلالة العام على بعض أفراده قطعية ، فيلزم أخذُ العموم كُّله ، ويُرَدُّ عليهم بأنَّ هذه المسألة خِلافية بين الأصولييِّن ، أشار إليها ابن الَّلحام في مُختصره ( ص/ 106) ، ثم إن تقديم الخاص عملٌ بالدليلين ، كما أفاده ابن قيِّم الجوزية رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين .
والصحيح كما رجَّحه العلامة الشنقيطي (ت: 1393هـ) تعالى في المُذكِّرة ( ص/ 217) أنه يُعملُ بالعموم مع البحث عن مُخصِّصٍ للمسألة . وهذا ما حَرَّرتهُ هُنا .
ثم إنه وردَ في آية مشروعية السلام لفظة ” أو رُدُّوها ” ( النِّساء : 86) وهي للتخييِّر ، ويُفهم منها العموم ، ولا يقع التخييِّر في حُكمٍ إلا كان ما بعده رحمةً وتيسيراً على المكلَّف ، لاسِّيما لمن يَلحقه عُذرٌ ، لأن ردَّ السلام لا يُمكنُ الإتيانُ به في أعلى مراتبه في كُّل موضع وفي كل زمان كما هو معلوم لكل عاقل .
ثم إن قائلَ وجوب كتابة ردِّ السلام مُطلقاً ، إما أن يقول إن تارك الكتابة آثم أو غيرُ آثم ، فإن قال إنه آثمٌ لزمه الدليل ، وكيف يأثم وقد نطق بردِّه ! ، وإن قال إنه لا يأثم بَطلت حُجتهُ وانتقض قوله .
ثم إن عُموم آية ردِّ السلام يُمكن تخصيصها بمفهوم الموافقة ، وهذا القول قال به بعضُ الأصولييِّن كالفتوحي في الكوكب المنير ( 3/486) ، فيجوز إختصار السلام للحاجة أو الضرورة ، كما في فعله عند لُزوم ذلك . وقد ثبت أن الرسول لم يردَّ على رجل عندما سلَّم عليه وهو في الخلاء ، كما في الحديث المتفق عليه . فيُقاسُ على هذه العِلة للمعنى المقصود وهو الضرورة أو الحاجة .
وفيما يتعلَّقُ بلفظ الآية ” رُدُّوها ” ( النساء : 86) فإن فيه إشارة إلى ما ما تقدَّم ، وقد تقرَّر عند الأصولييِّن أن اللفظ إذا دَلَّ على معنى ليس مقصوداً في الأصل ، فإنه صحيح ويعمل به ، وهو ما يُسمِّيه الأُصوليون دلالة الإشارة .
وعدم السماع لا يضرُّ ، مع الإقرار أن الإسماع أبلغ وأحسن ، ولأنه أدبٌ من جُملة الآداب ومحاسن الأخلاق ، فإن أسمع المُرسَل إليه فهو أكمل ، وإلا فإنه لا يأثم ، والذِّمة في هذا الموضع مُتعلِّقة بحق الله تعالى لا بحق المخلوق ، لظاهر النصِّ في قوله ” إنَّ الله على كل شي حسيباً ” (النساء : 86)، أي أعمالكم ونياتكم .
وليس معنى ما تقدَّم أننا نقول للناسِ لا تكتبوا لفظ السلام ، إنما القول بالتفصيل هو الصحيح في حُكم المسألة .
وختاماً أقول كما قال ابن القيِّم تعالى : ” ومَن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم ، فقد ضلَّ وأضل ، وكانت جنايته على الدِّين أعظم من جناية مَن طبَّب الناس كُّلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم ، بما في كتابٍ من كتب الطب على أبدانهم ، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل : أضرُّ ما يكونان على أديان الناس وأبدانهم ” .


هذه خُلاصةُ المذاكرة ، ونأملُ من القراء البرَرة نشرها في مواقع التواصل ، لإثراء الموضوع وتلقيح الأفهام من أُولي العلم المَهرة .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )
مُذاكرةٌ مع القَريوتي | مدونة المتوقِّد