يقول الله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة:183-184] .
في الآيتين الكريمتين تقرير عن فرضية الصيام وأهميته في حياة المسلمين يتلخص في المحاور التالية :
1 – النداء الرباني للأمة الإسلامية : هذا الخطاب الذي يشمل الذين آمنوا على اختلاف أنواعهم ومراتبهم إذا علمنا أن الإيمان يزيد وينقص ؛ فهو يزيد إلى أن يصل إلى درجة الإحسان وينقص إلى أن يقترب من درجة الكفر . ففي الدرجة الدنيا قوله تعالى : ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران:167] . أما باقي المراتب فهي بين الإيمان والإحسان ، يقول تعالى : ﴿...إذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:93] . يقول طنطاوي (ت:1431هـ) : " فإن المؤمن بمداومته على خشيته - سبحانه - يتدرج من الكمال إلى الأكمل حتى يصل في إيمانه وتقواه إلى مرتبة الإِحسان التي ترفعه إلى أعلى عليين ، والتي عرفها النبي - - بقوله : «الإِحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . وبهذا يكون النداء الرباني موجها إلى كافة الأمة المسلمة .
2 – التذكير بأن فرض الصيام على الأمة المسلمة ليس بالشيء الجديد ؛ لأن الصيام مفروض في كل الرسالات السابقة .
3 – الصيام موسم التقوى بامتياز لكل المسلمين لاجتماع حيثيات كثيرة لم تكن متوفرة في غيره . ففي شهر رمضان تصفد الشياطين ، وتُغفر فيه الذنوب ، وتفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق فيه أبواب النار . وهناك امتيازات أخرى جاء ذكرها في السنة المطهرة ، مما يجعلنا في دورة سنوية يتخرج منها المسلم بنَفَس رباني جديد يجعله قادرا على مواصلة السير على منهج النبوة في سائر الأيام .
4 - الصيام أيام معدودات ؛ تسعة وعشرون يوما أو ثلاثون . وذلك حسب رؤية الهلال ، أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله يقول : «إذا رأَيتُموه فصوموا ، وإذا رأَيتُموه فأَفطِروا ، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له» .
5 – الصيام في مقدور جميع أصناف الناس كل حسب استطاعته ، بين القادر على الصيام وغير القادر إما لظرف طارئ كالمرضى والمسافرين وإما لسبب دائم كالعجزة والمسنين ومن يُقاس على حالهم من الحالات المختلفة .
مما سبق يتبين أن الصيام خير للناس في حالهم ومآلهم ، في دنياهم وآخرتهم مصداقا لقوله تعالى : وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . هذه القاعدة الذهبية التي تدفعنا إلى البحث في علوم الصيام في كل المجالات الحياتية : الدينية والنفسية والاجتماعية والصحية والاقتصادية وغيرها ؛ لأنه كلما ازداد علمنا بأهمية الصيام ازداد إقبالنا عليه إيمانا واحتسابا .

والله أعلم وأحكم