المتأمل في آيات الصيام يجد نفسه في رحاب عالم من العطاءات الربانية التي تشمل كيان العبد المؤمن بمقومات القرب إلى الله تعالى ، مما يجعل الصائم القائم مؤمنا محتسبا قريبا إلى ربه . وذلك يبدو من قوله تعالى : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] . هذه الآية التي جاءت عقب الانتهاء من إكمال فريضة الصيام والتكبير صبيحة العيد إظهارا لشكر الله على توفيقه وعونه على أن وفقنا لإتمام الصيام . فالتذكير بالقرب ما جاء في هذا الإطار إلا للدلالة على كون الصيام من أجل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه ، و يرتقي بها إلى أعلى درجات التقوى والرشد ، مما يجعله مؤهلا للقرب من الله تعالى . جاء في صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» .
وإذا كان الصيام يتميز بهذه المكانة الكبيرة لما له من انعكاسات على حياة المؤمن في جعله يتقرب به إلى الله تعالى ، فالله تعالى يبادل العبد الصائم بنفس الفعل قربا بقرب . وقد جاء في الحديث القدسي ما يؤكد هذا القرب المتبادل بين الله وعباده . أخرج البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي ، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا ، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً » .
إن شهر رمضان هو شهر الصيام والقيام ، الشهر الذي نزل فيه القرآن الكريم الذي يشتمل على الهدى للناس عن طريق الآيات البينات التي تنير الطريق أمام الصائمين وتجعلهم يميزون بين الحق والباطل في دنيا الناس . وبهذا يصبحون أهلا للتقرب إلى الله تعالى الذي يبادلهم بأكبر الجزاء وذلك باستجابة دعواتهم ؛ لأنه قريب منهم وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ .

والله أعلم وأحكم