يقول تعالي " وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) يوسف .
ما هو الأمر الذي دعا يعقوب أن يطلب من أولاده أن لا يدخلوا من باب واحد وان يدخلوا من أبواب متفرقة ؟ القول المشهور في هذا الصدد هو خوفه عليهم من الحسد لأنهم كانوا رجالا لهم جمال وهيأة ، فخاف عليهم العين إذا دخلوا جماعة من طريق واحد ، وهم ولد رجل واحد ، فأمرهم أن يفترقوا في الدخول إليها وعلى هذا سار قول الكثير من الناس رغم انه ليس هناك اثر صحيح يدل عليه كما أن سياق الآيات لا يدل عليه بل يتناقض معه والشهيد سيد قطب رغم عدم ارتياحه لهذا القول ونقده بألفاظ شديدة واعترافه بأنه ضد سياق النص القرآني إلا انه رفض الخوض فيه بحجة انه لا فائدة منه يقول "تضرب الروايات والتفاسير في هذا وتبدأ وتعيد، بلا ضرورة، بل ضد ما يقتضيه السياق القرآني الحكيم. فلو كان السياق يحب أن يكشف عن السبب لقال. ولكنه قال فقط - إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها - فينبغي أن يقف المفسرون عند ما أراده السياق، احتفاظا بالجو الذي أراده. والجو يوحي بأنه كان يخشى شيئا عليهم، ويرى في دخولهم من أبواب متفرقة اتقاء لهذا الشيء مع تسليمه بأنه لا يغني عنهم من الله من شيء. ا.ه
وأقول ما المانع من التأمل في مناسبة هذا القول في ضوء سياق النص القرآني للسورة كلها الم يكن في أحوال يوسف وإخوته آيات للسائلين؟ فلم نحجب أنفسنا إذن عن التأمل في هذه الآيات فربما تلوح لنا أية أو آيات وإلا اكتفينا بثواب التأمل والتدبر ؟
نعود إلى الآية إن القول بان يعقوب قال لأولاده لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة بسبب الخوف عليهم من الحسد فضلا عن عدم وجود اثر صحيح فانه يتناقض مع سياق النص القرآني فإذا كان قول يعقوب ذلك كان خوفا عليهم من الحسد فلماذا لم يقل ذلك في الرحلة الأولى ؟ الم يكن يخشي عليهم من الحسد في الرحلة الأولى أيضا ؟ بل الملاحظ انه هذا القول من يعقوب جاء بعد أن أجابهم إلي طلبهم بان يرسل معهم أخاهم من ابيهم كطلب عزيز مصر ليزدادوا به كيل بعير وهذا يعني أن هناك صلة بين هذا القول وبين خوفه على ولده أن يلقي مثل مصير يوسف .
الأمر الثاني :- القران يصور حالة إخوة يوسف بغير ما صورته الروايات الإسرائيلية من أنهم كانوا ذا جمال هيئة وحسن مظهر يخشي عليهم من الحسد فالقران يصور حالهم بان مجموعة قادمة من البادية أنهكهم الفقر والجوع ذهبوا إلى مصر يتلمسون العطايا بعد أن عم بها الرخاء " فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) يوسف, فعلي أي شيء يحسدوا؟ !!
نعود إلى سياق النص القرآني من البداية كان يعقوب يخاف من أبنائه علي يوسف ويخاف مرة ثانية على أخيه منهم أيضا والنص القراني يصور لنا هؤلاء الاخوة كحاسدين وليسوا محسودين لنتأمل النص القرآني فعندما قص يوسف رؤياه على أبيه " قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) يوسف, وقد ابدي يعقوب تخوفه علي يوسف أيضا عندما طلبوا أن يرسله معهم ليرتع ويلعب" قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) يوسف, ولم يقتنع بما قدموه من مبررات وأعذار لفقد يوسف بل قال لهم " بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) يوسف ويتكرر الأمر عندما طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم من ابيهم فقد ابدي تخوفه عليه كما خاف علي يوسف من قبل " قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) يوسف , ولكن في المرة الثانية اخذ من الاحتياط والحذر ما لم يأخذه في المرة الأولى وهذا شان المؤمن دائما لا يلدغ من جحر مرتين فمابالكم بالأنبياء ففي المرة الثانية لم يرسله معهم حتى اخذ عليهم عهدا وميثاقا أن يأتوا به -لاحظ يأتوا به - وليس فقط يحافظوا عليه " قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)يوسف , وبعد أن اخذ عليهم هذا الموثق قال لهم " يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ " ومن هنا يمكن لنا أن نفهم مناسبة هذا القول في سياق التوجس من الإخوة وخوفه على ولده منهم حتى لا يتكرر معه ما حدث مع يوسف .
لقد علم يعقوب أنهم ما أقدموا على جريمتهم بحق يوسف إلا عندما شعروا أنهم عصبة مع بعضهم و يوسف أحب إلى أبيهم منهم فحسدوه على ذلك فأقدموا على ما أقدموا عليه " إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) يوسف
ولما كانوا عصبة في الشر تآمروا علي يوسف فخاف يعقوب من هذه العصبة وأراد ان يفككها حتى لا تسول لهم أنفسهم أمرا آخر لقد قال لهم في المرة الأولى" بل سولت لكم أنفسكم أمرا" وقال لهم في المرة الثانية ذات القول وإذا رجعنا إلي القران نجد أن الفعل سول استعمله القران في ثلاث حالات كلها في في تزيين الشر في النفس نسبه القران إلى الشيطان " الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25)محمد, ونسبه إلى السامري " وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) طه, ونسبه إلى إخوة يوسف في الموضعين , ومن هنا يمكننا أن نفهم الباعث لهذا القول هو محاولة من يعقوب تفكيك عصبة الشر لانهم اذا اجتمعوا فكروا في الشر قاراد ان يفرقهم حتى لا تطال شرورهم ولده في المرة الثانية كما طالت يوسف في الأولي فأمرهم بالتفرق عند دخول مصر فربما يحدث أمرا وقد كان .
إن بداية انتصار الحق هو تفكك عصبة الباطل التي ان اجتمعت فكرت في الشرهذا ما أبرزه القران في سورة يوسف فهذه سنة كونية وقانون اجتماعي فإذا بدأت عصبة الشر في التفكك فستكون هي مبشرات لانتصار عصبة الخير