الفصل الأول: استنباط ‏ أسسِ العُلوم وتفصيلِها من القرآن الكريم استناداً إلى الترتيب الزمني للنزول
المبحث الأول: القواعد الأساسية العشر في البحث في الموضوع:‏

فيما يلي سأورد قواعدَ ارتكزت عليها في بحثي في الموضوع:
أولاً: أسُسُ العلوم جميعا واردة في القرآن، ذلك أن الله ذكر في محكم التنزيل قوله: مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ (الأنعام 38).
ثانيا: كلُّ العلوم مفصلة بدقة متناهيةٍ في القرآنِ[1]، بدليل قوله سبحانه: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (الإسراء 12).
ثالثا: العلوم المقصودة أنها واردة ومفصلة في القرآن هي كل العلوم بلا استثناء، أما العلوم الشرعية فشاهدها قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا (المائدة: 3)، قال عليّ بن أبي طلحةَ عن ابنِ عبَّاس: قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وهو الإسْلام، أخبر الله نبيَّه والمؤمِنين أنَّه قد أكمل لهم الإيمان فلا يَحتاجون إلى زيادةٍ أبدًا، وقد أتمَّه الله فلا ينقصه أبدًا. وما هو في السنة النبوية الشريفة فمن القرآن، قال النبي : "إِنِّي لَا أٌحِلُّ إِلَّا مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابهِ ٬ وَلا أُحَرِّمُ إلا مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ"[2]. قال الشافعي: "جَميعُ ما حَكَم بِه النّبي فَهو مِمَّا فهمهُ مِنَ القُرْآن"، وقال الشافعي أيضا: ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب لله الدليل على سبيل الهدى فيها٬ فإن قيل: من الأحكام ما ثبت ابتداء بالسنة؟ قلنا لأن كتاب الله أوجب علينا اتباع الرسول ، وفرض علينا الأخذ بقوله: ذلك مأخوذ من كتاب الله في الحقيقة. وقال الشافعي مرة بمكة: سلوني عما شئتم٬ أخبركم عنه من كتاب الله. فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: قال الله تعالى:" وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (الحشر 7)، وحدثنا سفيان بن عيينة٬ عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان٬ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ"٬ وحدثنا سفيان٬ عن مسعر بن كدام٬ عن قيس بن مسلم٬ عن طارق بن شهاب٬ عن عمر بن الخطاب: أنه أمر بقتل المحرم الزنبور. وقال ابن برجان: ما قال النبي من شيء فهو في القرآن٬ أو فيه أصله قرب أو بعد٬ فهمه من فهم٬ أو عمه عنه من عمه٬ وكذا كل ما حكم أو قضى به.
وبما فيها علوم المادة الطبيعية، والدَّليلُ أنّ الجزء الذي فيه أن الله فصل كل شيء تفصيلا هو تتمة لكلامه جل شأنه عن أسس علوم عدد السنين والحساب[3] (الفلك والرياضيات وما تعلق بهما): وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (الإسراء 12).
رابعاً: إن ترتيب القرآن الحالي للسُّور في المصْحفِ الشريفِ هو الترتيب المتواتر الذي أخذ عن رسول الله بصلاته وبيانه لصحبه، وأجمعت عليه الأمة زمن عثمان بن عفان من الصحابة ومن التابعين وتابعيهم، وهو ترتيب البقاء، قال الله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر 9).
خامسًا: إن التدرج في التعليم والتربية من صميم منهجية القرآن مع النبي الكريم والصحابة والناس من بعد وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (الإسراء 106).
سادسًا: علم الإيمان والعقيدة الصحيحة تناولته آيات القرآن بتدرجٍ أنى لبشر أن يسْلكه وهذا التدرج كان وفق ترتيب نزول القرآن الكريم الزمني.
سابعًا: أن دراسة علم السيرة النبوية دراسة دقيقةً تستوجب تتبعه بمعرفة نزول القرآن الزمني.
ثامنًا: أن دراسة علمَيْ الفقه والتشريع الإسلامي تتناول الأحكام التي شرعها الله ورسوله والتي كلَّما عُلِمَتْ تواريخُها بدقةٍ رَفَعَتْ إشكالاتٍ كثيرةً لتعلقها بتدرج الأحكام وبالناسخ والمنسوخ ومعرفة المكي والمدني فهي تكون أكمل ما تكون عليه بمعرفة نزول القرآن الزمني.
تاسعاً: أن دراسة علم النفس ومناهج التعليم -خصوصا لمعتنقي الإسلام الجدد- تكون أكمل ما تكون عليه وفق ترتيب نزول القرآن الزمني لكون الصحابة هذبت وزكت نفوسهم من أدران الجاهليةِ وكل ما يدنس النفس بالقرآن وفق تسلسل نزوله الزمني.
عاشراً: أن استنباط العلوم من القرآن الكريم يتم ممنهجاً من خلال ترتيبه حسب النزول،[4] ، ولا يتخيل أن يؤسس القرآن للعقيدة الصحيحة والتشريع على مكث وفق ترتيب النزول ثم تنخرق القاعدة مع الطب ليأتي بتفاصيله على غير ترتيب، خصوصا إذا علم أن أول الآيات تتكلم عن خلق الإنسان من علق، والبرهان المفصل على هذا سيأتي لاحقا ويبدأ بالافتراض والتساؤل:
- هل علم عدد السنين والحساب[5] ينبغي أن ندرسه وفق ترتيب نزول القرآن الزمني؟
- وماذا عن باقي العلوم المؤسسة على مبدئي الإحساس والتجريد (عدد السنين والحساب)، كالطب والكيمياء والفيزياء والاقتصاد وغيرها؟
- هل ينطبق الأمر ذاته على العلوم التي تسمى اليوم العلوم الإنسانية التاريخ الإنساني وتاريخ الكوْن وعلم الوجود وعلم اللغة والأصوات وباقي العلوم؟
وقد فوجئتُ بصحة ذلك بعد أنْ أخذتُ ترتيبَ القرآن حسْب النزول، وفرزت الكلمات والجمل حسب كلِّ علم من العلوم السالفة الذكر، وتقصيتُ العلاقةَ بينها وتدَرُّجَ ذكرِها زمنيًّا وترابطها المرحلي فوجدت بما لا يدع مجالا للريب أن مسألة التدرج في تعليم العلوم حسب النزول ليس في العقيدة فحسب بل في العلوم جميعها، وإليك بيانها في المبحث الثاني.


[1] أميل إلى هذا الرأي على أن من العلماء من قال بالاختلاف بين الكتاب والقرآن وأن كل شيء في الكتاب لا في القرآن.
[2] رواه بهذا اللفظ الطبراني في الأوسط من حديث عائشة‎.
[3] يقول جودت سعيد في كتابه اقرأ ص 75: فإن معرفة عدد السنين والحساب يدخل في علم الفلك ، فمقادير سيرهما الثابتة فيما مضى تنبئ عن مدة ما سيأتي في سباحتهما في أفلاكهما .
[4]
سواء ذلك مقصود في القرآن الكريم، أم أنه وضعي من عندي اصطلاحا لإثبات المثبت وإلغاء الخاطئ وتصحيح المبدل من العلوم، ففيه فائدة ولا مانع من هذا الاستنباط الاصطلاحي.
[5] سيأتي لاحقا مبررات استخدامي للفظ القرآني (علم عدد السنين والحساب) دون فصل كما هو مستخدم الآن (الفلك والرياضيات)، لنكتشف التداخل والترابط العظيم المعجز في آيات الله سبحانه وما سخره لنا لتعليمنا وهدايتنا.