تأمَّلتُ حَالَ كثيرٍ من تهاني هذا العصْر الباعثةِ على الأماني..الجَالبةِ للمسَّرات، فألفيتُها قدْ دخَلها الزَّيْفُ والكذبُ..وشَابتْها شائبةُ التَّشبُّعِ بما لمْ يُعطَ، فمُتعاطيها كَلابسِ ثوبَيْ زُورٍ..فترى أكثرَ هذه التَّهاني والتَّبريكاتِ بمُناسبة عِيدٍ قدْ أهلَّ هِلالهُ لا مُبدعَ لها ولا مُنشئ..فهي تُستعملَ مِنْ قِبلَ مَنْ ليس ابنَ بَجْدتها ولامُخترعها..وهو المِسكينُ قدْ لا يَدري ما فيها..إذْ هُوَ أمرٌ قلَّدَ فيه غيرَه، وتابَع فيه مَنْ لا تمييزَ له..ومن المُضحكات المُلهيات المُبكياتِ في هذا أنْ تأتيكَ تَهنئةٌ بالعيد يُقال فيها:" تهنئة خاصة"..فيَعظمُ مُرسِلها لديك، وتُزوِّرُ في نفسِكَ أنَّ المرسِلَ قد خصَّك بها دون الخلائق، ومحَضَها خالصةً لك، ولا تفطنُ إلى أنها كذبٌ ومَيْنٌ إلا وقتَ أنْ تأتيكَ مثِلُها منْ خِلِّ لك مُداخلٍ، أوْ صديق لك مُراسلٍ..بلْ من القَواصم المُهلكات في هذا الباب أيضا أنْ يُرسلَ إليك صديقٌ لم يحْظَ منك بمزية الصُّحبة إلا مِنْ قريب، يقولُ في الرسالة المُنتسَخة، والمُكاتبة المزوَّرة التي دارتْ على المِئات قَبلك مَشْرقا ومغربا: إنَّه يحبك!!..وأنك عزيزٌ بل مِنْ أقرب الناس إلى القلب..وأنكَ أوَّلُ مَنْ سَعِدَ بهذه التهنئة، فما نالَ شرفَ الأوَّليَّة إلا أنتَ ...إلى كَذبٍ وبُهتانٍ لو دَرَى المُغفَّل معناه لاسْتَحَى أنْ يُخاطِبَ به مُطلقَ النَّاس فكيفَ بخواصِّهم...ألاَ إنَّ الصِّدقَ في المشاعر المُعبَّر عنها بِحُرِّ اللفظ مَنْجاة، وذلك واللهِ مجْلبةٌ للمحبة، ومَدعاةٌ للإخلاص..وسببٌ داعٍ لاستمرار الصَّداقة وخُلودها..ورحِمَ الله زمانا كنَّا نُدبِّج فيه رسائلَ التهنئة للخُلاَّنِ على ورقٍ نرسله عبْر البريد فلا يطرق بابَ المرسَل إليه إلا بعد العيد بأيام.. بيْد أنه َيُدخِل عليه البهجةَ والسُّرور، والفرح والحُبور لأنه خرَج من قلبِ صادقٍ، وصَدَر عن شُعورِ وامقٍ...