كان شيْخُنا المُحدِّث الدَّاعية الكبيرُ عبد الباري بن الصّديق الغُماري الطَّنجي المغربي قبل أكثر من ثلاثين سنة خطيباً مِصْقعا..يعتلي المنبرَ بلا ورقةٍ يخطب في الناس بتُؤدة ورويَّة كأنَّه يقرأ من كتابٍ بين يديه.. يُقبل على موضوع الخُطبة مُحلِّلا دارسًا مُستشهدا له بالآي والحديث، مُستوفيا له مِن ْكلِّ جوانبه..وكنَّا نتحدثُ يومئذ أنَّ فينا مَنْ كان يخرجُ من عند الشَّيخ حافظا للخُطبة، وما كان سمِعها إلا منْ مرَّة ٍواحدةٍ...وكان الشيخُ إلى ذلك لا يُشقُّ له غُبارٌ في الصَّدع بالحقِّ، والتَّعليقِ على أحْداث الأسْبوع..حتَّى سَرى بيننا نحنُ المُستفيدين أنَّ الشيخَ كان يُلازم مطالعةَ الصُّحف والمَجلاَّت، فيأخذُ منها أخبارَ ما كان يعرضُه يومَ الجُمعة في الخُطبة...ومنْ كمالِ مِنهج الشَّيخ في خُطبة الجمعة قِصَرُها ووجازتها على تمَامها واسْتيفائها للغَرض المَنْشود..ومنْ خصائصها التي لم أجد لها نظيرا عند غيرِه تخصيصُه الخُطبةَ الثانيةَ للنِّساء، فيعظهُنَّ ويتوجَّه إليهنَّ بالحديث في نفْس موضوعِ الخُطبة الأولى، وهذا من أعْجبِ ما وُفِّقَ إليه الشيخُ سقى الله مضجعه وأنارَ قبره...