عند المواقف تسقط الأقنعة ، ويستبين حال المتكلم ، ففي الزمن الذي سقطت فيه أقنعة كثيرة ، وقال بعض من ينتسب إلى العلم تصريحًا أو تلميحًا : ( النصارى ليسوا كفارا ) ، مع أن الله تعالى حكم عليهم في آيات ذوات عدد من كتابه بالكفر ، فليس الحكم بكفرهم قول بشر ، إنما هو قول رب البشر ؛ والحكم بالكفر حكم توصيفي ، فطالما هو على حاله هذا فهو كافر ، فإن آمن بالله الواحد وأن محمدا عبد الله ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ورح منه ، صار مؤمنا .

أسوق إليكم هذه القصة التاريخية :

قال ابن كثير - : حضر عندي في يوم الثلاثاء تاسع شوال سنة سبع وستين وسبعمائة البترك بشارة ، الملقب بميخائيل ، وأخبرني أن المطارنة بالشام بايعوه على أن جعلوه بتركًا بدمشق ، عوضًا عن البترك بإنطاكية ؛ فذكرت له أن هذا أمر مبتدع في دنيهم ، فإنه لا تكون البتاركة إلا أربعة : بالإسكندرية ، وبالقدس ، وبإنطاكية ، وبرومية ؛ فنقل بترك رومية إلى اسطنبول ، وهي القسطنطينية ، وقد أنكر عليه كثير منهم إذ ذاك ، فهذا الذي ابتدعوه في هذا الوقت أعظم من ذلك ؛ لكن اعتذر بأنه في الحقيقة هو عن إنطاكية ، وإنما أذن له في المقام بالشام الشريف ، لأجل أنه أمره نائب السلطنة أن يكتب عنه وعن أهل ملتهم إلى صاحب قبرص ، يذكر له ما حلَّ بهم من الخزي والنكال والجناية ، بسبب عدوان صاحب قبرص على مدينة الإسكندرية ، وأحضر لي الكتب إليه وإلى ملك اسطنبول ، وقرأها عليَّ من لفظه - لعنه الله ، ولعن المكتوب إليهم أيضًا - وقد تكلمت معه في دينهم ، ونصوص ما يعتقده كل من الطوائف الثلاثة ، وهم الملكية واليعقوبية - ومنهم الافرنج القبط - والنسطورية ؛ فإذا هو يفهم بعض الشيء ، ولكن حاصله أنه حمار ، من أكفر الكفار ، لعنه الله ( 1 ) .

__

1 - البداية والنهاية : 14 / 319 ، 320 .