كانَ الشَّيخُ العلاَّمة إسماعيلُ الخطيب التِّطواني المغربيُّ فارسَ المَنابر، وخطيبَ المَحَافل، قدْ أُوتي منْ ذَلاقة اللِّسان وسِحْر البيَان ما قَدْ بذَّ فيه غيرَه من خُطباء عَصْره ومِصْره..قد درَّس في كلية أصول الدِّين بالبلْدة المغربيَّة الشَّمالية المُسمَّاة " تطوان " دهرا طويلا، فتخَرَّج َبِهِ جمْعٌ غفيرٌ منَ طُلاَّبِ العلْمِ الذِّين منْهم طوائفُ تصَدَّرتِ اليَوْمَ للإفَادة والتَّعليم..فكانَ ُ والحقُّ يقالُ- أستاذَ الجيل، ومُربي المُستفيدين في المَغرب الحديث، وكان هذا الرجلُ العَلَمُ صاحبَ حَلقاتٍ علميَّة في مساجد مدينته، ذَا شُهرةٍ معروفةٍ في الصَّحافة الإسلامية في المغرب، ولقد كنتُ أيَّامَ اليَفاَعَةِ والفُتُوَّة أُلازمُ مُطالعةَ صحيفة " النُّور " التي كان يُصْدرها العلاَّمةُ القديرُ مِنْ سِنين مَديدة، فأقرأُ ما فيها مِنْ مقالاتٍ جَذْلانَ فَرِحا، فلمَّا اشْتدَّ عُودي في الكِتابة راسَلْتُ الشَّيخَ العلاَّمةَ بمقالٍ لينشره في الصَّحيفة المذكورة، فبادرَ رحمهُ الله بالنَّشْر حَفياًّ بِي مُرحِّبا، ومِنْ يومئذٍ توالتْ منِّي على الصَّحيفة مقالاتي، وتوالتْ منَ الشَّيخِ أعدادُ الصَّحيفة التِّي صارتْ بعدُ مجَّلةً- مُرسلةً إليَّ هديةً وإتحافاً..وكتبتُ زمانا عن أدَب الحَداثة بحْثا مُطوَّلا وراسَلْتُ الشَّيْخَ الجليلَ لينشره في المجلَّة، فرأى بثاقِبِ نظَره أنَّه يَصْلحُ أن يكون كتابا، فأفردهُ بالطَّبعِ في حُلَّة جَميلةِ على نَفقته وأتْحفني بأوَّل كتابٍ يصْدُر لِي في عالم المطْبوعات، وتوالت بيني وبين الشيخ مراسلاتٌ ومُكاتبات كانت فيها مبرَّات أهداني فيها جملةً من كتبه ومؤلفاته....ولم يُقَدَّر لي أنْ ألقى الشَّيخَ إلا بِأخَرةٍ في ندوة علميَّة بتطوان عن الحافظ الرَّحالة ابن رُشيد السَّبتي- فألفيْتُ الشيخَ فوقَ ما قدَّرْتُ علمًا وأدبًا وأخلاقا، وجالسْتُه في غذاءٍ جَمعنا في رُفقة طيِّبة مُباركة، فكان يُقبل عليَّ بالحَديث مُؤنسًا مُسامِرا، ثم دعاني وصديقَنا الدُّكتور عبد اللطيف الجيلاني مساءً إلى بيْته العامر للعِشاء، فوجدْنا من أنواع الحفاوة والتَّكريم ما أعجزَ مناَّ اللسانَ عن شُكره...وذُهلتُ يومئذٍ من أخْلاق الشَّيخ فلقد كان إليه المُنتهى في التَّواضع ولِين الجانب مع الجَلالة والسُّؤْدد..عرَض عليَّ يومَها مع رفيقي- على حَداثَةِ أعْمارِنا وقلَّة علْمنا- ونحنُ نتعشى أن نُفيده إفادة ًعن عَلَم ٍكان يَكتبُ عنه فأعْظَمْنا الشَّيخَ وَجلَّتْ منزلتُه في أعيننا..وكان الشيخُ نَسيجَ وحْدِهِ في مُناقشة الحداثيين واللَّادينيين والمُستهزئين بالدِّين يخُصُّهم في مجلَّته " النور " بالنَّقد والاعتراض، والمناقشة والمُباحثة..كثيرَ الثلْبِ لمذاهبهم، واسِعَ الحيلةِ في دفْع شُبهاتهم وأراجيفهم، لا يَخشى في ذلك مَلامةً ولا تَضييقا.. حتى صارَ ذلك هِجيِّراهُ وديْدَنه، وجهادَه وبَلاءَه.. ولقد كان ذلكَ يشُدُّني إلى المجلَّة وصاحِبها، وأعْقِلُ أنِّي حدَّثته في تلك الليلةِ التِّي ضَيَّفني فيها عن مُدير مؤسَّسةٍ علميَّة في المغرب طَنَزَ بالبُخاري وصَحِيحه في بعضِ ما قدْ جرى به قلمُه وانتهى إليه بحثُه ونظرُهُ، فما كان منْه ُ إلا أنْ بادرَ في عدَدٍ قريبٍ من مجلَّته الغرَّاء المَيْمونة ناقدا مُعترضا ولعُوارِ " الطَّنْز الحَداثيِّ " كاشِفا ناشرا بنَصاعةِ بيانٍ ورَجاحة دليلٍ وبُرهانٍ... وطبعَ ذلك على غِلاف المجلَّة بعُنوانٍ عَريضٍ، وحرْف بَارز ٍكَبيرٍ...رحِمَ اللهُ الشَّيخَ الدَّاعيةَ المُصْلحَ الكبيرَ ولَقَّاهُ نضْرةً وسُرورا، وجزاهُ عن جِهاده بالكلِمة المَسْمُوعة والمكْتوبة جزاءً مَوفُورا....