كان شيخُنا العلامةُ عبد الباري بن الصّديق الغُماري الطنجيُّ المغربيُّ نسيجَ وحْدِه في حفظ الحديث، يجلس يُمليه كأنه يقرؤه من كتابٍ بين يديه، لا يتحبَّس ولا يضطربُ، فيسوقُ راويه ثم ينصُّه نصاًّ، ثمَّ يرجعُ إليه شارحا ولمعانيه مُقرِّبا، وبهذه الطريقة سَمعنا عليه الجامع َالصحيح للإمام البخاري إلا فوتا يسيرا منه...وكان الشيخُ تعالى دائمَ اللَّهَجِ بالحديث كأنَّ السُّنةَ على طرَف لسانه يختارُ منها ما يشاءُ في معرض الاستدلال والاحتجاج...وكان من محبته للسنة وعلومها، وللحديثِ وفُنونه، قد أخرج قديما – وكنتُ يومئذ شابا يافعا- جريدةً في صفحات يسيرات سمَّاها:" السنة" ما نَشِبت أنِ اختفتْ وطواها النِّسيانُ بعد صُدور أعداد قليلة منها، بيْد أن التاريخَ الدَّعويَّ في المغرب قد عرفها للشَّيخ فهِيَ مِن مَكرُماته وأياديه البيضاء على النَّهضة الحديثية المُعاصرة في هذا الأُفُق الغربيِّ من العالم الإسلامي، ولقد وُهبَ الشَّيخ ُنضْرة َأهل الحديث وسِيمَاهُم، فكان بهيَّ الطَّلعة ذا جمالٍ ظاهر، و إشراقٍ باهر، وكانَ ُ مُتواصلَ الدُّروس في مساجد الدار البيضاء ومنها مسجد الحمْراء الذي كان عامرا بأنوار علمه..وكانَ الشيخُ – نوَّر الله قبره- قليلَ الانقطاعِ عن مجلْس الدَّرْس لا يغيبُ إلا لِماما..ومنْ حرصه على الإفادة أنَّه كان رُبَّما جاء إلى الدَّرس وبِه علَّةٌ...فلقد سمعتُه مرةً يقولُ إنه حضَر إلى الدَّرْس مع أنه يجدُ ألمًا في أنْفه وفِيه، وأنَّ ذلك يحولُ بينه وبين الكلام والحديث...إلا أنه آثر أن يحضر محبةً في إفادة الناس، وأُنسًا بما في صحيح البُخاري من حديثٍ وأثر...وكان ذلك بعدُ تَقدمةً لعلَّته المعروفة التِّي ألْجأته إلى الجِراحة...رحمَ اللهُ الشَّيخَ المُحدِّثَ الكبيرَ عبد الباري بن الصّديق وأسْكنه جنات النعيم ...وجعلَ ما حدَّث به وأفاد، وروى وعلَّم بينَ يديْه يوم القيامة شفيعا...