" أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا"

قال الله تعالى حكاية عن أصحاب الكهف:" إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا" –الكهف:20-
أي أنهم إذا اكتشفوا أمركم إما أن يقتلوكم لردتكم عن دينهم أو يرغمونكم في العود([1]) في ملتهم الكافرة.
فهل هذا دليل على أن العذر بالإكراه وعدم المؤاخذة عليه لم يكن قائما في شرع من قبلنا، وأن الأصل العظيم في هذا الباب:" إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" خاص بهذه الأمة دون سائر الأمم؟

ظاهر قولهم يدل على ذلك إذ لو كان هذا الأصل مشروعا عندهم لما تخوفوا ذلك التخوف وحذروا بمثل ذلك التحذير، لأنه مهما عظمت سلطة الكفرة من قومهم وقوت شوكتهم لم يكن على قلوب أصحاب الكهف سبيل، فقد يرغمونهم على الدخول في ملة الكفر فيستجيبون ظاهرا مع اطمئنان قلوبهم كما قال تعالى:" مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" –النحل:106-.

وقد يستدل على ذلك بحديث طارق بت شهاب:" ( دخل رجل الجنة في ذباب ، ودخل النار رجل في ذباب . قالوا : وكيف ذلك ؛ قال : مر رجلان [ مسلمان ] [ ممن كان قبلكم ] على قوم لهم صنم ( وفي رواية : يعكفون على صنم لهم ) لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا ، فقالوا لأحدهما : قرب [ شيئا ] ، قال : ليس عندي شيء . فقالوا له : قرب ولو ذبابا . فقرب ذبابا . فخلوا سبيله . قال : فدخل النار . وقالوا للآخر : قرب ولو ذبابا . قال : ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله . قال فضربوا عنقه ، قال : فدخل الجنة )([2]).

وهناك توجيه جميل للإمام فخر الرازي تعالى في هذه المسألة إذ يقول:" فإن قيل : أليس أنهم لو أكرهوا على الكفر حتى إنهم أظهروا الكفر لم يكن عليهم مضرة فكيف قالوا : وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا / قلنا يحتمل أن يكون المراد أنهم لو ردوا هؤلاء المسلمين إلى الكفر على سبيل الإكراه بقوا مظهرين لذلك الكفر مدة فإنه يميل قلبهم إلى ذلك الكفر ويصيرون كافرين في الحقيقة ، فهذا الاحتمال قائم فكان خوفهم منه ، والله أعلم."([3]).
وبنحوه قال العلامة الألوسي تعالى:" ووجه الارتباط على هذا أن الإكراه على الكفر قد يكون سببا لاستدراج الشيطان إلى استحسانه والاستمرار عليه"([4]).

وقد تطرق لهذه المسألة العلامة الشنقيطي تعالى في الأضواء قائلا:"أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة، لأن قوله: عن أصحاب الكهف إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ [18/20] ظاهر في إكراههم على ذلك وعدم طواعيتهم، ومع هذا قال عنهم: وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا فدل ذلك على أن ذلك الإكراه ليس بعذر. ويشهد لهذا المعنى حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه مع الإكراه بالخوف من القتل. لأن صاحبه الذي امتنع أن يقرب ولو ذباباً قتلوه.
ويشهد له أيضاً دليل الخطاب، أي مفهوم المخالفة في قوله: : "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فإنه يفهم من قوله: "تجاوز لي عن أمتي" أن غير أمته من الأمم لم يتجاوز لهم عن ذلك."([5]).

وأخيرا هل يمكن القول بأن الآية لا تدل على عدم العذر بالإكراه، وأن في كلامهم حذف تقديره: "ولن تفلحوا إذا أبدا" (إن عدتم في ملتهم مكرهين ظاهرا راضين باطنا)؟



([1] ) سواء كان العود هنا بمعنى الرجوع حيث أنهم كانوا كفارا على دين قومهم فمن الله عليه بالهداية، أو كان بمعنى الصيرورة، لأن العود في الشيء لا يقتضي التلبس به كما نبه عليه صاحب روح المعاني.

([2] ) الحديث ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب تعالى في كتابه النافع "كتاب التوحيد" مرفوعا إلى النبي ، لكن الصحيح وقفه على الصحابي الجليل سلمان الفارسي كما بين ذلك وحققه محدث العصر الألباني تعالى في السلسلة الضعيفة.

([3] ) مفاتيح الغيب: 21/88.

([4] ) روح المعاني:15/232.

([5] ) أضواء البيان: 19/113-.