تأمَّلتُ حالَ بعض الخُلاَّن الذين كان الواحدُ منهم يُقسِم لصاحبه بأغلظِ الأيْمان أنه لن يتخلى عنه أبدَ الدَّهر، وأنَّ المِقَة التِّي بينهما ليس مبناها على المنْفعة العاجلة، والمصْلحة الفانية..حتى إذا تغير الزمانُ تبدَّل ذاكَ الخِلُّ ألوانا..وفرَّط في خليله وازورَّ عنه، وَرمَقَهُ بمُؤْخر عينيه، ونَسيَ أنَّ ما فيه مِنْ نِعمةٍ فمِنَ الله أجْراها على يدِ الصَّاحبِ، ألا إنَّ الغَدْر في الصُّحبة ِليسَ منْ شِيَم الكِرام، فنَفسُ الكريمِ المحْتِد، النَّقيِّ المعْدِن تأبى عليه إلا أنْ يُخاللَ فيَصْدُقَ، ويُصاحبَ فيَفِيَ، ويحبَّ فلا يبغض أبدا..ولو كانتْ نفسُ الغادر عزيزةً لما تجاسَر على الغدْر، إذِ الحاملُ على الوفاء عِزَّةٌ يُجْبلُ عليها الكريمُ الخِلال،الجميلُ السَّجايا والصِّفات.... حضرتني هذه المعاني وأنا أقرأ لعلامة الأندلس وفقَيهها الكبير الأديب ابن حزم قوله في كتابه الرائع البديع طوْق الحمامة:" لقد منحني الله َّ من الوفاء لكلِّ مَنْ يَمُتُّ إليَّ بِلُقيةٍ واحدةٍ، ووهبني من المُحافظة لمنْ يَتذَمَّم مني ولو بِمُحادثته ساعةً حظًّا أنا له شاكرٌ وحامدٌ، ومنه مُستمدٌ ومُستزيدٌ".