جمعتني الأقدارُ بِثُلَّة مُختارةٍ من أهل العلم الأحياءِ الذِّين شَرُفتُ بصُحبتهم ساعةً من نهارٍ أو ليالي من أيَّام، ومن هؤلاء السَّادة الكِبار، والجِلَّة الأخيار الشيخُ العلامة الأديبُ الأستاذُ الدُّكتور حسن الواركلي المغربي مدَّ الله في عمره، وفسَح له في أيامه..كان أولُّ معرفتي بالشَّيخ العلاَّمة القدير قديما أيامَ الطَّلَب في رحابِ دار الحديث الحسنيَّة في الرِّباط في المغرب الأقصى، إذْ حَضرْتُ مناقشةَ رسالةٍ علمية كان الشَّيْخُ الدُّكتورُ نَجْمَها المُتعقِّب، وفجْرَها الصَّادقَ القولِ والبيانِ، وكانَ الشَّيخُ يومئذٍ أمتع الله به في كهولته متوقِّدا نشاطا وقوةً، ولم يُكتبْ لي لقاءٌ بالشيخ كِفاحا إلا في نَدوة علميَّة في طنجة بعد مُضي دهرٍ طويل على اللِّقاء الأوَّل..حيث تعرَّفت على الشيخ عن كثب، وقدَّمتُ له نفسي فألفيتُه يعرفني قال لي مرحِّبا :" أنتَ الذِّي تكتب في جريدة النُّور التطوانية، وأنا أتابع ما تكتب"، فوقع ذلك في نفسي موْقعا حسنا..ومِنْ يومئذ توثَّق ما كان بيننا وتهاديْنا كتبا ..وقُدِّر لي أنْ أزورَ الشَّيْخ بعدُ في داره التي سماَّها " دارة زمزم" فأهداني بعضَ كُتبه وكتَبَ عليها ما أخْجلني..ودامتْ بيننا مُراسلاتٌ ومبرَّاتٌ وتواصلتْ..حتى إذا يسَّر اللهُ في نشْر كتابي :" الجامع الصحيح للإمام البخاري وعناية الأمة الإسلامية به شرقا وغربا"، قدَّم له الشيخُ بتقريظٍ نثرَ فيه مِنْ قلْبه وفُؤاده قبل كلماته ومُفرداته ما روَّج للكتاب رواجا واسعا..والشيخُ سلَّمه الله " ياقوتة الأندلس " و " وَهَج وأرَج " الفردوسِ المفقود، وشَذى من " أشْذاء الأندلس" و" وشيٌ وحُليٌّ" قدْ كُسِيَ جلالة ووقارا، وسُؤددا واحتراما، قدْ طوَّف دارسًا تُراث الغرب الإسلامي نثْرا وشعرا وقرآنا وحديثا وفقها وأصولا...كما أنَّ الشيخَ " مجاورُ البلد الأمين مكة المكرمة" سفيرُ الدَّرس اللغوي والشرعي المغربي الأندلسي في الأقطار المشرقيَّة... والشيخُ بعدُ إذا نثَر قلتَ شاعرٌ، وإذا شَعَر قلتَ حقًّا إنه شاعرٌ قد أوتي من ثقافة اللِّسانين: العربي والإسباني ما أثَّر في الدِّراسات الأندلسية الإسبانية تأثيرا كبيرا، وبوَّأه منزلةً مرموقةً بيْن كِبار الباحثين المُعاصرين في تُراث الغرْب الإسلامي... جزى الله العلامة الدكتور خيرا وجعل أجْرَ ما علَّم وأدَّب وكتَب ونَثَر وشَعرَ في ميزان حسناته... طُرَّة: " ياقوتة الأندلس " و" وهَج وأرَج " و " أشْذاء الأندلس" و" وشْي وحُلي" من كتب الشيخ الدكتور.