تأمَّلتُ حالَ كثيرٍ من أنواع الصَّداقات التِّي وُطِّدت دعائمُها اليوم بين صاحبيْن متآلفيْن فألفيتُ أغلبها قد بُني على تبادل المصالح وتحصيل المنافع، فلقد يوطِّدُ صاحبٌ معك علاقةً تحسَبها خالصة لله، فيكشفُ الزَّمان أنَّه إنما مهَّد بالخِلطة القصيرة، والمُصاحبة الوجيزة لكي يجنيَ منك منفعة شخصية، أو أنْ يستجلبَ بواسطتك خيرا، أو يدفعَ بك شرا، ثم لا يلبثُ إنْ هو حصَّل المبتغى، ووصل إلى غاية المسْعى أنْ يتنكَّر لمعروفك فيطوي عنه كَشْحا، ويضربَ عنك صفْحا، والصاحبُ الحقيقي إنما يخالل صِدْقا، ويُرافق لا يريد مَنًّا ولا شكورا، ولا طمعا ولا جزاءً..ومِن هذا أيضا ما قد يحْصُل في هذا الزمانِ من التَّملق بين الأستاذ وطلَبته، فربَّما سعى الطالبُ بكلِّ حيلة لينالَ درجةً رفيعة أو ليصل إلى حاجةٍ لا يرى أنَّه يصلُ إليها إلا أن يتقرَّبَ إلى الأستاذ فيسلِّم عليه ولقد كان قبلُ لا يفعل أو يدعو له وكان من قريبٍ يُسيء فيه القولَ ويدعو عليه، أو يعترف له بحبِّه له وهو في الحقيقة يُبغضه..والسبيلُ في هذا أنَّ الأستاذَ لا ينبغي أن يقرِّب إلا الحاذقَ الماهرَ دون المُتملِّق صاحبِ الوجهيْن..كما يجب عليه أن يُنيل الطالبَ الصَّدوق طِلْبته ويلبيَ رغبته..