كان ممن جمعتني به خِلطةٌ لبعض الوقت العلامة المؤرِّخ المحقِّق الأستاذ ُالدكتور سيدي عبد الله المرابط الترغي التطواني مولدا الطنجي مستقرا ومدفنا المغربيُّ أصلا ومحْتِدا...كان الشيخُ سليلَ أسرة علمية معروفة بالفضل والعبادة إذ كان أبوه الفقيه الترغي أحدَ أعلام غمارة المشهورين ...قرأتُ للشيخ عبد الله الترغي كثيرا من المقالات العلميَّة في مجلة دعوة الحق الغَرَّاء المغربية في أيام ازدهارها ، فأُعجبتُ بما فيها من الدراسة والاستيعاب والإحاطة...ولما قُدِّر لي أنْ أُصهر إلى بعض أهل ترغة سألتُ عن علماء تلك القرية الوادعة بين جبال غمارة فدُللت على الشيخ المؤرِّخ المحقق سيدي عبد الله الترغي...فلقيته صدفة هناك..وتبادلنا أحاديث ودِّية كانتْ مُفتتح صداقةٍ دامت سنين ولمْ يقدَّر لي أن ألقى الأستاذ الدكتور بعدُ إلا بعد سنين عديدة حيث حظيتُ بلُقياه في ندوة التراث الإسلامي بسوس في رحاب مدينة أكادير المغربية، إذ جلستُ بين يديه متحدثا عن بعض فهارس علماء سوس:" الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة " للتمنارتي قبل خروجه إلى عالم المطبوعات...وقدَّرتُ في نفسي أن يكون كلامي عن الفهرسة المذكور شِبْه الرِّيح عند الشيخ ، فما هُوَ إلاَّ أن لقيتُه بعد ذلك حتى شدَّ على يدي مهنِّئا بما حصَل لي من التَّوفيق في حديثي عن فهرسة التمنارتي، فجلَّ الشيخ ُفي عيني إذ ْغمَرني بعظيمِ ثنائه مع قلَّة بضاعتي وجلالة قدْره في المعرفة بفهارس علماء المغرب، إذْ هو ابنُ بَجْدتها ومُفتِّقُ الحديث عنها في كتابه الشَّهير الذِّي طوَّف العالم:" فهارس علماء المغرب"..وقُدِّر لي بعد ذلك أنْ أجتمع بالشيخ المؤرِّخ القدير في ندوة علمية بتطوان، فعلمتُ من خلال جلسة علمية كان فيها قرينه الدكتور حسن الوراكلي والدُّكتور محمد أمحزون وغيرهما- أنَّ الرجل خبيرٌ بالمخطوطات مُولعٌ بجمعها قد ضمَّت مكتبته العامرة عشرات الكتب والرسائل العلمية التي أشْرفَ عليها أو ناقشها، كما ضمَّت وثائقَ في العِلْم نادرة، وأنَّه جادٌّ في تصوير ما ليس عنده منها يقضي سحابةَ يومه في ذلك لا يفتُر، والشيخ ُ بعدُ إليه المنتهى في معرفة تاريخ وحضارة وآداب وتراجم وأنساب أعلام المغرب والأندلس...واسع الاطلاع على أعلام مغاربة ندُر من يعرفهم ،قد أخرج " أعلام مالقة" لابن عسكر وابن خميس معا وغير ذلك من الكتب النافعة الممتعة ..والرجل ذو خلق رفيع، قد أوتي تواضعَ العلماء، ووقار الفضلاء، وسمْتِ الجِلَّة النُّبلاء، مع ذاكرة حاضرة، ونُكتة بادية، وحديث مُستملح.. وحدَّثني عنه صهرُنا – لطفَ الله به وشفاه- كثيرا وذكَر لي أنه كان يهوى الصيد بالقارب، وأنه كان ابنَ تارغة البارَّ ونجمَها الذِّي أفَلَ ...رحم الله الشيخ المؤرِّخ المحقِّق المدقِّق القدير، وعوَّضنا خيرا عنْ الدرس الشَّرعي واللغوي والأدبي المغربي الأندلسي في هذا الأفق الغربي ...