أوَّلُ من أعلمُه صرَّحَ بنسبةِ ذلك إليه هو الشيخُ محمدُ المُنَيَّرُ السَّمَنُّوديُّ (ت 1199 هـ) وذلك في رسالتِه المُسماةِ فتحَ المجيدِ في قراءةِ عاصمِ من طريقِ القصيدِ (مخطوطةٌ بالأزهريَّةِ 25/ب) قالَ: «وليس (نُذُرِ) من قبيلِ المضمومِ [أيْ: ما قبلَه] و(يَسْرِ) من قبيلِ الساكنِ؛ إذِ الراءُ متوسِّطةٌ فيهما؛ لأنَّ أصلَهما (نُذُرِي) و(يَسْرِي) وحكمُهما الترقيقُ على مختارِ ابنِ الجزريِّ رحمَه اللهُ تعالى» اهـ
ثُمَّ تلاه الإمامُ المتوليُّ (ت 1313 هـ) فنقَلَ نصَّه المتقدِّمَ في رسالتِه فتحِ المُعطي وغُنيةِ المُقْري (مخطوطةٌ بالأزهريَّةِ 17/أ)، وكذا نظَمَه فقالَ:
وفي إذا يَسْرِ اختيارُ الجَزَري......ترقيقُه وهكذا ونُذُرِ
ثُمَّ تلاهما جمعٌ من المعاصرين كالعلامتَين السَّمَنُّوديِّ في لآلئِ البيانِ (البيتِ 77) والمرصفيِّ في هدايةِ القاريِ(1/ 135 ) رحمَهما اللهُ، وتَبِعَهما جمعٌ.
وبالرجوعِ إلى النشرِ فإننا نجدُ ابنَ الجزريِّ رحمَه اللهُ نصَّ صراحةً على تفخيمِ (يَسْرِ) و(نُذُرِ) في (2/ 105) مما يردُّ القولَ بأنَّ ترقيقَهما من اختيارِه، وقد تنبَّهَ لذلك بعضُ محقِّقي المعاصِرين، كالشيخِ عبدِ الرازقِ موسى رحمَه اللهُ وأستاذِنا الشيخِ أيمن سويد حفظَه اللهُ.
وقد تمسَّكَ القائلون بأنَّ ترقيقَهما من اختيارِه بعبارةٍ مُشكِلةٍ بآخرِ التنبيهاتِ ببابِ الراءاتِ من النشرِ (2/ 111) تتعلَّقُ بترقيقِ (يَسْرِ) وأنَّه أَولى، إلا أنَّ سياقَ هذه العبارةِ يُفهَمُ منه أن الترقيقَ بـ(يَسْرِ) وقفًا أَوْلى على قولِ من فرَّقَ بينَ ما كسرتَه لازمةٌ فرقَّقَه وما كسرتُه لازمةٌ ففخَّمَه مِمَّا ذكرَه ابنُ الجزريِّ تبَعًا للكلامِ على ترقيقِ راءِ (أَسْرِ) وقفًا على قراءةِ وصلِ الهمزةِ المعقودِ لها التنبيهُ السابعُ أصالةً، وليس المقصودُ بقوله: (أَوْلَى) الأولويَّةَ عندَه، بل عندَ مَن ذهبَ للتفرِقةِ المتقدِّمةِ، هذا هو الفهمُ هو الذي يقتضيه النظرُ السليمُ برأيي.
يؤيِّدُه أنَّه لم يذكُرْ في التقريبِ إلا النصِّ الصريحِ على تفخيمِ (يَسْرِ) و(نُذُرِ) وشبهِهما مما أوردَه في لُبِّ بابِ الراءاتِ في النشرِ، وكذا لم يذكُرْ في الطيِّبةِ سواه.
كما أنَّ القائلين بنسبة هذا الاختيارِ لابن الجزريِّ لا يسعفُهم النصُّ فيما يتعلَّقُ بـ(نُذُرِ) في النشرِ أو غيرِه من مصنَّفاتِه، واللهُ تعالى أعلى وأعلمُ.