قُدِّر لي أنْ أعرْفَ شيخَنا بالإجازة المحدِّثَ الأستاذ الدُّكتور يوسف الكتاني سليلَ الأسرة الكتانية المعروفة بالعلم والحديث - في أيام الفُتوَّة ومَيْعةِ الشباب- من خلال ما تُدبِّجه يراعتُه من مقالاتٍ ودراساتٍ مُتقنةٍ في مجلَّة دعوة الحقِّ المغربيَّة الغرَّاء، ومجلَّة الإحْياء المغربيَّة في حُلَّتها القديمة البهيَّة، ثمَّ لمَّا تخصَّصْتُ في هذا الشَّأن، وشَدوْتُ طرفا منْه خاصًّا بهذا الأفقِ الغربيِّ وعنايةِ أهله بالجامع الصَّحيح للإمام البُخاري ازدادت صلتي ببحوث الشيخ الدكتور فيما كتبه عن" مدرسة الإمام البخاري في المغرب"، و" عبقرية الإمام البخاري"، ولما تأهلتُ في هذا الفنِّ واشتدَّ عُودي فيه وشرعتُ في كتابة الدراسات عن الصحيحين في الأندلس، كانت بحوثي تنشر مع دراسات الشيخ الدكتور في مجلتيْ دعوة الحق والإحياء، فتعرَّف عليَّ الشيخُ وراسلني راغبا إليَّ في المشاركة في إحدى ندوات جمعية الإمام البخاري التي كان بها قائما، كاتبا إليَّ بعضوية الجمعية، ثم توثقت صلتي بالشيخ فلما عزم على إصدار أول مجلة علمية في المغرب في دراسات " السنة النبوية " كتب إليَّ راغبا في أن أكون من هيئتها الاستشارية، فلبيتُ طِلبته شاكرا، ولما أخرج الشيخُ كتابه في" معاني كلمات صحيح البخاري" راسلني أنْ أكتبَ عنه في مجلة دعوة الحق، فكتبتُ مُستجيبا حفيًّا بكتابه، ثم امتدت صداقتنا العلمية إذْ دَعاني الشيخُ إلى داره العامرة بأنوار الحديث ضمن أعضاء اللجنة الاستشارية لمجلة السنة النبوية فرأيتُ من أخلاقه ما قد أدهشني، إذْ كان الرجلُ متواضعا في عِزَّة جنابٍ، شريفا حسِيبا، كريما سَمْحا، ذا نشاطٍ زائدٍ مع كِبر سنِّه، صاحبَ ذاكرة حاضرة مع علُوِّ قدْره، وتوالتْ أعداد مجلة السُّنة النَّبوية الغرَّاء الميْمونة التِّي كانتْ كتابَ عُمُر الشيخ وحجته التي قدَّمها بين يدي ربه، ومن عجيب ما قدْ وُفّق الشيخُ إليه فيها أنْ كتبَ مقدمات أعدادها مُقابلةَ الحُجرة النبوية في المدينة المنوَّرة، تيمُّنا بأنوار النبوة، واقتباسا من سَنائها وبهائها، وكان الشيخُ سمْحا بالإجازة لمنْ طلبها، ولقد رغبتُ إليه فيها فَمَنَّ وأجابَ وكتبَ إليَّ بها في رسالةٍ جلَّ قدْرُها، وفصُح أسلوبُها، واتَّصلتْ أسانيدُ الشَّيخ فيها من والدِه المُسنِد إلى الإمام البخاريِّ سيِّدِ هذه الصَّنعة وأميرِها، وكانَ الشيخُ حفيا بي غايةَ الحفاوة، لا ينفكُّ سائلا عنِّي، كاتبا إليَّ، يحثُّني على الكتابة في مجلَّته الغرَّاء، حتى إذا لاح له مني عزمٌ فاترٌ، توالت عليَّ كلماته تحضُّني على الكتابة، حتى إنه كتب إليَّ يوما قائلا:" أنا لا أتصور أن أُصدر عددا من المجلة خاليا من بحثٍ من بُحوثك"، ونهض بالتقديم لكتابي:" نضْرة أهلِ الحديث في بحوث ودراسات في كتب وأعلام الحديث" فكَتبَ فيه من غُرر عباراته، وبليغِ أسلوبه ما أشْرقَ به الكتابُ ونَوَّرَ وأزْهرَ، ورغِبَ إليَّ الشيخُ في آخر عمره أن أكتبَ ضمن كتاب التكريم الذِّي صدَر عنه في حياته كلماتٍ في حقِّه، وعباراتٍ في شخْصِه، فلبَّيتُ طِلْبتَه جذْلانَ فرِحا، فسُرَّ الشيخُ وتهلَّل، وفرِح واستبْشر، وبالجُملة فلقد كان الشيخُ واحدا من أعلام الدرس الحديثي المغربي في العالم، رائدا في ذلك، معتزا بثقافته المغربية الإسلامية، مدافعا عن دينه منافحا عن ثوابته، مُتواصلَ العطاء عن الإمام البُخاري لاهجا بذكره، كأنما خُلقَ في هذا الزمان لهذا الشأن .... ف رحمة واسعة وعوَّضنا خيرا..