من فُضلاء أساتذتي الذِّين كان لهم أثرٌ واضحٌ في تعليمي شيخُنا الأستاذُ الدُّكتور المفكِّر الإسلامي الكبير محمد أمين الإسماعيلي المغربي..فلقد كانت تأتيني الأخبارُ عنه قبل مرحلة الجامعة، فلما مَنَّ عليَّ في طلَب هذا الشأن، كان شيخُنا العلامة مِنْ أوائل مَنْ أعجبتُ به محاضرا في مادة" الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي"،..كان الشيخ الدكتور ذا هيبة معروفة مع الجلالة والسؤدد، والتقدم في العلم، له أسلوب خاصٌّ في المحاضرة يخلُب الألباب ويَسحر العقول، ويشدُّ إليه الرِّقاب والأعناق، مع الذكاء المُفرط والذِّهن الثاقب وحُسْن التَّهَدي إلى الشَّيء الغامض..يتكلمُ في الفكر والتاريخ والعقائد وعلوم الاجتماع والنفس والفلسفة وعلم الأديان...وعُرف الشيخ الدكتور العلامة بنقده للمذاهب المادية والليبرالية واللادينية ...وعنه حملنا ذلك وبه تأثَّرنا وعلى سَننه سِرْنا واقتدينا...وبه عرفنا زعماءَ الإصلاح في العالم الإسلامي في العصر الحديث: أبا الحسن الندوي ومحمد الغزالي وأبا الأعلى المودودي والشيخ عبد الله دراز الذي كان للشيخ به كَلَف ظاهرٌ، وولَع شديد، وللشيخ العلامة أقوالٌ سائرة حُفظت عنه في الفكر والعقيدة، ومما عَلِق في ذاكرتي منها وكان الشيخ قد سُئل في موضوعٍ يضيق فيه الكلامُ ولا يتَّسع فيه المجال فأجاب:" إنَّ من سياستي أن لا أتَسَيَّس"... ولقد عرفني الشيخُ الدكتور لما كنت طالبا شابا في السنة الأولى من الجامعة، ولعله أثبتني معرفةً من ذلك العهد...ولم يُقدَّر لي أن ألقى الشيخَ إلا وأنا طالبٌ في مرحلة السَّنة التمهيدية في الدِّراسات العُليا، وكنت قد تخصَّصت في علوم السنة..وكان المشرفَ على الوحَدة شيخُنا الأستاذ الدكتور فاروق حمادة وكان لا يعرفني..فلما يسَّر الله في الظَّفر والنُّجح في الاختبار الكتابي برتبة مميزة، وجاء الاختبار في المادة الشفوية..جلستُ بين يدي شيخنا فاروق خائفا أترقبُ منْ أنه لا يعرفني وقد سألني:" من أين أنت؟"، وقال إنه لا يعرفني، وأنني نجحتُ في الكتابي على كُرهٍ، وأنه حائرٌ في أمري بين أن يُجيزني في هذا الاختبار أو لا يفعل"، ثم لبث على ذلك مليًّا، فدخل شيخنا الدكتور الإسماعيلي فسلَّم وجلس، فلما رآني عرفني، فسأله شيخنا فاروق عنِّي، فأثنى خيرا، فكنت أُحَدثُ بعدها أن َّالفضل يعود بعد الله – إلى شيخنا الإسماعيلي في نجاحي في تلك المرحلة...ومناقبُ الشيخ الدكتور كثيرة وتلاميذُه أممٌ لا يُحصَون، ومَنْ أشرف على رسائلهم العلمية خلقٌ لا ينْعدُّون...