الأضحية والضحية هي اسم لما يذبح ضحى يوم العيد تقربًا إلى الله تعالى ، وهي سنة متأكدة على أهل كل بيت من المسلمين لمن قدر عليها ، فقد روى أحمد والترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَقَامَ رَسُولُ اللهِ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ يُضَحِّي ؛ وروى الترمذي وابن ماجة عن عَطَاء بْنِ يَسَارٍ قال : سَأَلْتُ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ : كَيْفَ كَانَتْ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ .
قال العلماء ، وشرعت الأضحية لأمور :
1 - قربة إلى الله تعالى ، قال : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (الكوثر : 2 ) .
2 - شكرًا لله تعالى على ما سخر لنا من بهيمة الأنعام ، قال الله تعالى : لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ( الحج: 28) ، وقال سبحانه : فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( الحج : 36 ) .
3 - إحياءً لسنة إمام الموحدين إبراهيم الخليل ، إذ أوحى الله إليه أن يذبح ولده إسماعيل ثم فداه الله تعالى بكبش فذبحه إبراهيم بدلا منه ؛ قال تعالى : وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ( الصافات : 107 ) .
4- وتوسعة على العيال يوم العيد ، وإشاعة الرحمة والشفقة بين الفقراء والأغنياء ، روى مسلم عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ تعالى " .
صفة الأضحية :
أن تكون سليمة من العيوب ، فليجتهد الإنسان أن يضحي بأجود ما يجد لأنها قربة إلى الله تعالى ؛ روى أحمد وأهل السنن عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَفَعَهُ : " لا يُضَحَّى بِالْعَرْجَاءِ بَيِّنٌ ظَلَعُهَا ، وَلَا بِالْعَوْرَاءِ بَيِّنٌ عَوَرُهَا ، وَلا بِالْمَرِيضَةِ بَيِّنٌ مَرَضُهَا ، وَلَا بِالْعَجْفَاءِ الَّتِي لا تُنْقِي " .
قَوْلُهُ:" ظَلْعُهَا " بِفَتْحِ الظَّاءِ وَسُكُونِ اللامِ وَيُفْتَحُ أَيْ : عَرَجُهَا , وَهُوَ أَنْ يَمْنَعَهَا الْمَشْيُ ، و " بَيِّنٌ عَوَرُهَا " بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ عَمَاهَا فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ ؛ وَبِالْأَوْلَى فِي الْعَيْنَيْنِ ، و " بَيِّنٌ مَرَضُهَا " وَهِيَ الَّتِي لَا تُعْتَلَفُ ، و " وَلَا بِالْعَجْفَاءِ " أَيْ : الْمَهْزُولَةِ " الَّتِي لا تُنَقَّى " مِنْ الإِنْقَاءِ ، أَيْ : الَّتِي لا نِقْيَ لَهَا بِكَسْرِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَهُوَ الْمُخُّ ؛ يَعْنِي : لَا مُخَّ لَهَا مِنْ الْعَجَفِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ - : وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْعُيُوبَ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ لَا تُجْزِئُ التَّضْحِيَةُ بِهَا , وَكَذَا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا أَوْ أَقْبَحُ مِنْهَا كَالْعَمَى وَقَطْعِ الرِّجْلِ وَشِبْهِهِ .ا.هـ .
وعند أهل السنن عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ الْقَرْنِ وَالأُذُنِ . قال سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: الْعَضْبُ مَا بَلَغَ النِّصْفَ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ .
وأفضل الأضاحي ما ضحى به النبي ، ففي صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ – - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ ، يَطَأُ ( يضع قدمه ) فِي سَوَادٍ ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ ؛ فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ ، فَقَالَ لَهَا : " يَا عَائِشَةُ هَلُمِّي الْمُدْيَةَ " ثُمَّ قَالَ : " اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ " فَفَعَلَتْ ، ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ ، ثُمَّ قَالَ : " بِاسْمِ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ " .
سنُّ الأضحية :
لا يجزئ في الأضحية من الضأن أقل من الجذع : وهو ما أتم ستة أشهر ؛ وأما من غير الضأن : من المعز والإبل والبقر فلا يجزئ إلا ثني ؛ وهو من المعز ما أوفى سنة ودخل في الثانية ؛ ومن الإبل ما أوفى أربع سنوات ودخل في الخامسة ؛ ومن البقر ما أوفى سنتين ودخل في الثالثة ؛ ففي صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ : " لا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ ".
ويجزئ من الإبل والبقر الواحدة عن سبعة .
وقت الذبح :
يبدأ من ضحى يوم النحر بعد صلاة العيد ، وينتهي آخر أيام التشريق ، فلا يجوز ذبح الأضحية قبل صلاة العيد ولا بعد أيام التشريق ؛ ففي الصحيحين عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قَالَ : خَطَبَنَا النَّبِيُّ يَوْمَ الْأَضْحَى بَعْدَ الصَّلاةِ فَقَالَ : " مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا ، وَنَسَكَ نُسُكَنَا ، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ ؛ وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَلَا نُسُكَ لَهُ " ؛ فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ خَالُ الْبَرَاءِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلاةِ ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي ، فَذَبَحْتُ شَاتِي وَتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلاةَ ، قَالَ: " شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ " ؛ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا لَنَا جَذَعَةً ، هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ ، أَفَتَجْزِي عَنِّي ، قَالَ : " نَعَمْ ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ " .
وفي الصحيحين - أيضًا - عن جُنْدَبُ بْنُ سُفْيَانَ - – قَالَ : شَهِدْتُ الأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ صَلَّى وَفَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ ، سَلَّمَ ، فَإِذَا هُوَ يَرَى لَحْمَ أَضَاحِيَّ قَدْ ذُبِحَتْ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلاتِهِ ، فَقَالَ : " مَنْ كَانَ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ ( أَوْ نُصَلِّيَ ) فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى ، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ " .
من سنن الأضحية :
ويسن للمضحي أن يذبح أضحيته بنفسه ، ويقول : باسم الله والله أكبر ، اللهم هذا عن فلان ( ويسمي نفسه وأهله ) لحديث عائشة السابق ، وفي الصحيحين عَنْ أَنَسٍ قَالَ : ضَحَّى النَّبِيُّ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا .
وإذا لم يكن يحسن الذبح شهد أضحيته ، ويعطي الجازر أجرة من غير الأضحية ، ويجوز إعطاؤه من الأضحية على سبيل الهدية أو الصدقة ، ففي الصحيحين عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا ، وَأَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا ، قَالَ : " نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا " .
ويسن للمضحي أن يأكل من أضحيته وأن يتصدق منها ، كما يفضل أن يهدي منها لأقربائه وأحبته وجيرانه ، ويجوز أن يدخر منها ، فقد روى مسلم وغيره عَنْ عَائِشَةَ أن رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : ".. فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا " .
الإنابة في الذبح :
ويجوز إن كان صاحب الأضحية مسافرًا أو مشغولا عن ذبحه أن ينيب من يذبح عنه وإن لم يحضر ؛ ولا خلاف في هذا بين أهل العلم .
هذا ؛ والعلم عند الله تعالى ؛ والله الكريم أرجو أن يتقبل منا ومن إخواننا المسلمين ، وصلى الله وسلم وبارك على النبي محمد وعلى آله وصحبه.