قال الله – - : ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) .
في هاتين الآيتين فوائد وعبر ، منها :
١ – هاتان الآيتان من سورة القصص ، وهي سورة مكية ، نزلت قبل الهجرة إلى المدينة ، حيث كانوا مستضعفين ، فكان فيها إيماء إلى أن الله مظهرهم على المشركين .
٢ – إن تذكير الأمة بالمبشرات منهج رباني ، وخاصة عند اشتداد الأزمات ؛ وذلك لتحسين ظنها بربها ، وبث روح الأمل فيها .
قال الإمام السعدي – - : " أن الأمة المستضعفة، ولو بلغت في الضعف ما بلغت، لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسل عن طلب حقها، ولا الإياس من ارتقائها إلى أعلى الأمور، خصوصا إذا كانوا مظلومين، كما استنقذ الله أمة بني إسرائيل، الأمة الضعيفة، من أسر فرعون وملئه، ومكنهم في الأرض، وملكهم بلادهم " .
٣ – إن إرادة الله النصر والتمكين للطائفة المستضعفة كانت مقارنة لوقت استضعافهم ؛ ولهذا جاء التعبير بصيغة المضارع عن إرادة مضت ، ومن فوائد هذه الصيغة – أيضا – استحضار ذلك الوقت كأنه في الحال ؛ فلا نيأس ولا نقنط في حال الاستضعاف ، بل علينا الاستبشار بوعد الله والأخذ بالأسباب الجالبة له .
٤ – أن التمكين لا يأتي دفعة واحدة ، بل بالتدريج شيئا فشيئا ؛ ولهذا عبر عن المنة بالمصدر المؤول لا الصريح ؛ إرادة للزمان المستقبل .
٥ – إن الاستضعاف من الظلمة لأهل الحق علة للتمكين ؛ ولهذا أظهر الله المستضعفين في الآية بالاسم الموصول – والذي يفيد التعليل أيضا – دون إيراد ضمير الطائفة التي سبق ذكرها في الآية التي قبلها ، فالله رحيم بعباده ، وناصر المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا .
٦ – إن إرادة الله غالبة لإرادة كل مفسد ومتجبر وطاغ ، ولهذا أهمل الله – – في هذه الآية ذكر المُسْتَضْعِف ، وعبر عن الإرادة بصيغة المضارع التي تفيد الاستمرار .
فيا أيها المظلوم المستضعف لا تنظر إلى شدة بطش الظالم وجبروته فإن الله – – أهمل ذكره مع إرادته
لنصرك وتمكينك ، فكيف إذا وقع التمكين فعلا .
٧ - إن النصر والتمكين قد يعلق بأصل الإيمان ومجمله ، لا بكماله ومفصله ؛ وذلك أن بني إسرائيل في ذلك العصر قد دخل عقائدهم وسلوكهم من الإنحراف والفساد ما دخل ، ولكن بقي عندهم أصل الإيمان بالألوهية لله – - وحده وإنكار ألوهية فرعون ، والثبات على هذا الإيمان المجمل مع شدة ما يلاقونوه من العذاب .
٨ - إن من سنن الله – - في خلقه معاقبة الظالم المتجبر المتعالي بنقيض قصده ، وذلك في قوله تعالى : ( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) .
قال الإمام السعدي – - : " مِنْهُمْأي: من هذه الطائفة المستضعفة. مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ من إخراجهم من ديارهم، ولذلك كانوا يسعون في قمعهم، وكسر شوكتهم، وتقتيل أبنائهم، الذين هم محل ذلك، فكل هذا قد أراده الله، وإذا أراد أمرا سهل أسبابه، ونهج طرقه، وهذا الأمر كذلك، فإنه قدر وأجرى من الأسباب -التي لم يشعر بها لا أولياؤه ولا أعداؤه- ما هو سبب موصل إلى هذا المقصود.
فأول ذلك، لما أوجد الله رسوله موسى، الذي جعل استنقاذ هذا الشعب الإسرائيلي على يديه وبسببه، وكان في وقت تلك المخافة العظيمة " .
٩ – إن من أعظم منن الله على المستضعفين أن يمكن لهم في العلم والقدرة ، ولهذا كانت منته هنا ( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً) ومنها الإمامة في العلم والدين ، بدليل قوله تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) ، ومنته الثانية ( وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ) وهذه في القدرة والتمكين .
١٠ – إن هذا التمكين كمل شيئا فشيئا حتى بلغ ذروته في عهد سليمان – – ولَم يقم هذا التمكين لهذه الطائفة إلا برأس سخره الله لهم يعلمهم ويوجههم ، فلا بد لكل طائفة من رئاسة وسيد مطاع ، لكن هذه الرئاسة لا بد أن تكون تابعة للكتاب والسنة وإلا أفسدت أكثر مما تصلح ؛ لأن رئاسة الكتاب والسنة تتميز بميزات لا توجد في غيرها ، ولا تقوم مصالح الدين والدنيا إلا بها ، وجماع هذه الميزات : أنها كاملة في العلم ، وكاملة في الرحمة ، وكاملة في الغنى فليس فيها هوى منصب أو مال ، وكاملة في القدرة والسلطان لأن الله ناصرها .
وقد ذكر هذه الميزات شيخ الإسلام ابن تيمية – - .

والله أعلى وأعلم .