كان العلامة الداعية الكبير الدكتور محمد بشيري المغربي أحد أعلام الدعوة في مدينة الدار البيضاء..وكانت أخباره تصل إلي قبل أن أحظى منه بمجالس علم لم أنس إلى اليوم أثرها وجدواها...كانت مجالس الشيخ الداعية تعقد بين العشاءين في جمع غفير من الناس، يحضره الكبار والصغار، والعامة والخاصة، والمثقفون والأميون، فيصدر كل هؤلاء عن هذه المجالس العلمية وقد ارتوى من عطش، وحيي من ممات، وانتعش فؤاده وقد كان أصابه الرانُّ...كانت طريقة الشيخ في الدرس عجيبة لم أعقل أن أحدا من شيوخي سلكها، كان الشيخ يبدأ درسه في التفسير أو السلوك والرقائق بمقدمة قد تكون أعجب شيء في الدرس كله، كانت المقدمة بلسان عربي مبين وأحيانا بلسان قريب من اللهجة المحلية..يُقبل الشيخ فيها على معالجة موضوع ٍكان مِلْءَ مَسمعِ ومرأْى الناس في أسبوعهم الذِّي يودِّعونه، فلا يتركُ في الموضوع شاردة ولا واردة إلا ذكرها وعرَّج عليها..مع طرْحٍ واقعيٍّ كاشفٍ، وتحليل موضوعي دقيق...وكانت هذه المقدمة تشدُّ إليها أنظارَ الناسِ وتشرئبُّ إليها أعناقُهم..وكان ازدحام الحاضرين على دروس الشيخ شديدا لم أر له مثيلا إلا في دروس أبي بكر جابر الجزائري..وكان الدكتور محمد بشيري يصطحب معه مناشفَ يراه الجالسُ في درْسه يمسح بها عرقَه المتصبِّب على جبينه من فينة إلى أخرى ومن حين إلى آخر....وكنت أرى الشيخ من بعيد- من كثرة من يحضره- وأنا يومئذٍ شابٌّ صغيرٌ في مُقتبل العمر – نحيفَ الجسم، ضعيفَ البِنْية، يبدو عليه أثر المرض والعلة...ومع ذلك كان إليه المنتهى في العلم بالشريعة ودقائقها، ومقاصدها وأسرارها، يخصُّ العلمانيين بنقد لاذع، وحطٍّ علميٍّ قاتل، ومباحثة ومناقشة...وما علمته ألف، وله دروس كثيرة مسجلة ومحاضرات معروفة ...ولعله قد مات يوم مات في كهولة وصغر سنٍّ .. وأجزل جزاءَه وعامله بإحسان، وكتب أجر ما بلَّغ ودعا في ميزان حسناته...