من الأمثال المعروفة : من حبنا حبناه وصار متاعنا متاعه ، ومن كرهنا كرهناه يحرم علينا اجتماعه .. وهذا المثل وإن كان يدل على جانب كبير من واقع الناس ؛ إلا أن الأفضل منه ما تقرر في الإسلام من قول النبي : " أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا ، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا ، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا ، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا " .

إن الإنصاف في العلاقة مطلوب ، والمغالاة في طرفي الأمور مذموم ، والعرب تقول : حب التناهي شطط خير الأمور الوسط ؛ وكما قيل :

عَلَيكَ بِأَوساطِ الأَمورِ فإِنَّها ... طَريقٌ إِلى نَهجِ الصِراطِ قَويمُ

وَلا تَكُ فيها مُفرِطًا أَو مُفرِّطًا ... كِلَا طَرَفَي قَصْدِ الأُمورِ ذميمُ

وهذه قاعدة صالحة لكل العلاقات ؛ فكم غالى إنسان في حب إنسان ثم ندم على ما كان منه ؛ وغالى آخر في كره آخر ، ثم ندم على ما كان منه .

ولعل من أسباب هذه الوصية النبوية الغالية أن الإنسان لا يطلع على دواخل من يؤاخيه أو يصاحبه ؛ فقد يظهر له ما لا يبطن ؛ وهذا كثير في عالم الناس .

ومن الأسباب - أيضًا - أن القلوب تقلب ، ولسبب ما قد تنقلب الصداقة عداوة ، وغالبًا ما يسعى العدو في الإيذاء ، فإن كان هناك من أسرار عرفها في أيام صداقته ، فقد يفشيها ، ويتضرر من كان له صديق ؛ قال منصور الفقيه :

احْذَرْ عَدُوَكَ مَرَّةً ... واحْذَرْ صَدِيقَكَ ألفَ مَرَّةْ

فلربما انقلبَ الصديـ ... ـقُ فكانَ أعلمَ بالمضرةْ