كان مُنوَّر الشَّيبة شيخنا العلامة المحدِّث الأستاذ الدكتور محمد خرشافي الفاسي ثم البيضاوي محقق الفوائد المجموعة وبغية النقلة لابن المواق..من أوائل السادة الأساتذة الذين ملأت منهم عيني لأول وهلة أجلسُ فيها على مدرج كلية الآداب في تخصص العلم الشرعي...كان الرجل قد أوتي إشراقة المؤمن الودود الرحيم، إذ ْ كلُّ من رآه أو استمع إليه أحبه وتمنى أنْ لو عرفه من زمان بعيد، مع طلاقة الوجه وجمال المُحيَّا وبهاء الطلعة، ودوام الابتسامة التي لا تفارق وجهه...عرفتُه يدرِّسنا تاريخ التشريع الإسلامي، وعلوم الحديث ومقاصد الشريعة الإسلامية الغراء...وكان الرجلُ لا ينهر أحدا ولا يعنف طالبا، حتى إذا رابه من ذلك شيءٌ وعيل صبره دقَّ دقا خفيفا على المكتب ورغِب إلى من رآه خارجا عن الجادة بلطف وسماحة أن يلزم الأدب الواجب في طلب العلم..وعرفتُ الرجل مدافعا عن دينه ذائدا عن حياض الشريعة، مُظهرا محاسنها، وكان حفظه الله مُحبًّا للكتب، مُكثرا من جمعها، قد أوقفَ على شرائها مالَه، وحبَّس في استخراج نفائس ما فيها أوقاتَه، وكنتُ لذلك ألتقي به في معارض الكتب مُحمَّلا بأسفارها، مُصطحِبا منها خيارَها ونفائسَها حتَّى إني لأقسم قسَما أرجو أنْ أكون فيه مُصدَّقا- إن الرجل لا يكاد يفوته من الكتب المطبوعة المعروفة كتابٌ...وأقبل العلامة المحدث على التأليف فكان له من ذلك مصنفاتٌ حِسانٌ سائرة بما بثَّ فيها من علم رفيع الشأن، عظيم المنزلة والجاه. وقد أهداني منها كتابه في التخريج...لقيته ذات مرة صدفة في إحدى المؤسسات التي لابد فيها من انتظار الدَّور حتى يأتي فلمحتُه من بعيد قد أخرج من جيبه كتابا صغيرا لعل فيه ورده من القرآن الكريم...يقرؤه منتظرا دوره لا يضيع وقته هدرا ...وشرَّفني في مناقشة رسالتي لنيل دكتوراه الدولة من أعوام عديدة قد خلتْ فأهداني تعقبات جليلة أفدت منها بأدب وتقدير وطلاقة وجه...وامتدح بعضَ ما ألفتُ وأطراني في ندوات جمعتنا وأفدت منه وأفدته ببعض ما عندي من أخبار المؤتمرات...كلُّ ذلك فعله تواضعا منه وأنا تلميذه وهو شيخي ومُعلمي الخيرَ وبه انتفعتُ وعلى يديه تخرَّجتُ في الحديث...أطال الله عمره في طاعة وإنابة ونفع به وأثابه لِقاء ما ربَّى وعلَّم، ونبَّه وأرشد...