تأملات فى معجزات عيسى

بسم الله الرحمن الرحيم
(ورسولا إلى بنى إسرائيل أنّى قد جئتكم بآية من ربكم إنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وأبرئ الأكمه والأبرص وأحى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون فى بيوتكم، إنّ فى ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) – سورة آل عمران
49

(إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتى التى أنعمت عليك وعلى والدتك إذ أيّدتك بروح القدس تكلّم الناس فى المهد وكهلا، وإذ علّمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى وتبرئ الأكمه والأبرص بإذنى وإذ تخرج الموتى بإذنى وإذ كففت بنى إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبيّنات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين) المائدة
110


جاءت معجزات عيسى بنفس الترتيب فى سورتى آل عمران والمائدة،

الملاحظ أن خلق الطين على هيئة الطير ومنحه الحياة بنفخ الروح فيه جاء كأول آية أو كأول معجزة يسردها عيسى لقوم بنى إسرائيل،
إضافة الى أنها جاءت وحدها منفصلة فإنتهت بإذن الله أو بمشيئة الله،
ثم جاءت المعجزات الأخرى كالشفاء للأكمه والأبرص وإحياء الموتى وختمت بإذن الله فى جملة واحدة.

إذا الخلق ونفخ الروح أو منح الحياة هو أعظم آية من آيات الله تعالى، وهو تحول الطين الى طير.
كما المعجزة التى أسماها الله تعالى بـ(الآية الكبرى) لموسى وهى تحول العصا الى ثعبان ( فأراه الآية الكبرى) .

وهذا الفعل خلق الحياة لا يستطيعه السحرة ، لذا كانت الآية (فإذا ألقوا حبالهم وعصيهم يخيّل إليه من سحرهم أنها تسعى)..أى تخيل فقط، وآية أخرى (فسحروا أعين الناس)، فالسحرة لا يهبون الحياة.

ولكن فى موضع آخر قال الله تعالى أن السحرة بمقدورهم التفريق بين الزوجين بإذن الله(ما يفرقون به بين المرء وزوجه).


ونعود مرة أخرى الى النفخ، فقد نفخ الله تعالى لخلق آدم ، والنفخ فى رحم مريم يختلف عن نفخ المسيح على الطين لخلق حيوان أو طائر، فقد وصفه الله تعالى بأنه من روحه (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) وأيضا لمريم (فنفخنا فيه من روحنا) .


-إضافة الى الآية بسورة المائدة ولم ترد بسورة آل عمران وهى (إذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني)، ولو قال عيسى لقومه أنه خلق من الطين شكلا على شكل طائر وأنها آية من الله تعالى ، لرد عليه قومه (أى واحد منا يستطيع أن يخلق من الطين شكل طير أو أى حيوان آخر، أو أن ينحت من الحجر شكل طير فهى ليست بمعجزة لك يا عيسى!)
ولكنها جاءت فى آل عمران كآية من الله تعالى مخاطبا بها عيسى ، فكل فعل وكل عمل وكل قول هو بمشيئة الله تعالى (وما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة فبإذن الله)
-إحياء الموتي هو آخر معجزة من المعجزات الحسية التى ذكرت لعيسى عليه السلام وذلك ليؤكد الله تعالى للناس أن (البعث) مسألة هينة (وهو الذى يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) سورة الروم-27
-ثم هناك (وأحى الموتى بإذن الله) فى الآية بآل عمران، وجاءت فى سورة المائدة (وإذ تخرج الموتى بإذنى)، هذا يعنى أن عيسى كان يحى الموتى الذين تم دفنهم، وليس من ماتوا أمامه قبل دفنهم، ولو قال عيسى (وأخرج الموتى بإذن الله)، لظن القارئ أنه يخرجهم من قبورهم فقط دون إحياء.
وذكرت بالقرآن عدة قصص عن إحياء الموتى من البشر والحيوانات ولكن دون دفنهم،
كالرجل الذى قتل من بنى إسرائيل فى عهد موسى (وإذ قتلتم نفسا فإدارءتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون)، وكالذى مرّ على قرية مع حماره، والأربع طير لنبى الله ابراهيم .

وإنتهت المعجزات بـ(وأنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون فى بيوتكم إنّ فى ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) فالعلم بنوع الطعام والمدخر منه هو علم علّمه الله تعالى لعيسى ، وهو كالعلم الذى علّمه الله تعالى ليوسف (ما ترزقان من طعام إلا نبأتكما بتأويله من قبل أن يأتيكما، ذلكما مما علّمنى ربى)، وهذا العلم آية من المسيح ومن يوسف بأنهما رسولان من رب العالمين.

ونلاحظ تكرار الكلمات (بإذن الله) فى سورة آل عمران ، وكلمة (بإذني) فى سورة المائدة عند سرد معجزات عيسى ، التى جاءت بلسانه الى قومه فى سورة آل عمران، والتى كلّمه بها الله تعالى يوم القيامة فى سورة المائدة،
فكان عيسى ينتهى قوله (بإذن الله)، ليؤكد لبنى إسرائيل أنه مرسل من رب العالمين، ومع ذلك لم يصدقه الكثيرون وإتهموه بالسحر.

أما قول الله تعالى له (بإذنى) فى الآيات بسورة المائدة ، ففى ذلك رد على معتنقى المسيحية من المتأخرين الذين ينبهرون بمعجزات عيسى التى سردتها الأناجيل فيقولون أن الله هو المسيح بن مريم.
فقد جاءت الآيات بعدها بسورة المائدة متساءلة (وإذ قال الله يا عيسى إبن مريم ءأنت قلت للناس إتخذونى وأمى إلهين من دون الله؟) .