كان الداعية الإسلامي مصطفى القبايلي أحدَ أعلام الدعوة والإرشاد الديني في الدار البيضاء من أرض مغرب الأمس...وكانت مجالسُ درسه تُعقد في مسجد صغير يزدحم الناس فيه ازدحاما شديدا..لكي يستمعوا إلى الشيخ في مواعظه ودروسه السلوكية التي ترقِّق القلب،وتُجدد الإيمان في الوِجدان...كان الشيخ مصطفى القبايلي قد أوتي قَبولا في كلامه إنْ هو تكلم، كما قد أُضفي عليه من الإخلاص في النَّصيحة والمبالغة في العِظة ما هو معروف ذائع الصِّيت...وكان الشيخ جميلَ المحيا سريعَ الدمعة، يتأثر من قريب، ذا رهافة حسٍّ، وإنابة وخشوع...يقطُر كلامه مواعظ مُبكية ورقائق مُشجية، وحكايات وأخبار مُعبِّرة...وكنتُ أحضر مجالس الشيخ الواعظ- وأنا يومئذ شابٌّ يافع لم يطِر شاربي- عندما أشعر بقسوة في القلب وشُحٍّ في العمل الصالح...فأَصْدُر عنها وقد استيقظ واعظُ الإسلام في قلبي، وارتويتُ من معين مُسمى الإيمان ما شاء الله أن أرتوي...وكانت مواعظُ الشيخ تخرجُ من فؤاده مُضمَّخةً بنور اليقين مُعطَّرةً بحلاوة الإيمان ونَضْرته...فتقعُ على قلوب عطشى ونفوس ظمأى فتُحييها وترقِّيها وتَسقيها....وكان الشيخ يُفسح للحاضرين في مجلسه مجالا ليستمع إلى أسئلتهم..فلربما سئل عن أمور مكررة ومسائل معلومة فلا يعجبه الحديثُ عنها بيْد أنه يجيب السائل..ولقد شهدته مرة قرأ سؤالا من ورقةٍ جاءته وهو على المنبر..فقال لو عرفتُ صاحب هذا السؤال لقبَّلتُ الذي فيه عيناه...فما كان منه إلا أنْ قرأ سؤالا يستفسر فيه صاحبُه عن الفتنة الكبرى وملابساتها وعن الحقيقة في الخلاف الذي شَجَر...فكان ذلك سببا لمُحاضرتيْن مُحْكمتيْن لم أشهد مثلهما: قوةَ حجةٍ، ونصاعةَ بيان، وكشْفَ حقيقةٍ...وكان ذلك أول عهدي بكتاب ابن العربي المعافري العواصم من القواصم...وكان شيخنا رجلا بَكَّاءً لم أعرف شيخا مثلَه في سَيلان الدَّمعة، وجَريَان العَبْرة...وكان يخفي ذلك ولا يُعلنه لكن ربما غلبه الحالُ فذرَفت عيناه وهو يعِظ، أو اسْتعبر وهو يُذكِّر الناسَ...ولقد شهدتُّ جنازة الإمام العلامة تقي الدين الهلالي ودفنه...فكنا نقول إنَّ الذي كان في الجنازة يُسمع لنَشِيجه وبكائه دويٌّ كدوي النَّحل هو الداعية الإسلامي مصطفى القبايلي...ومِن سنين عديدة وأزمنة مديدة انقطع عنِّي خبره، وغابتْ عن مسامعي أحواله ...كان الله له حيا أو ميتا...