يقول الامام القرطبي في كتابه الجامع لاحكام القران:
ما جاء من الوعيد في تفسير القرآن بالرأى، والجرأة على ذلك:
وإنما النهي يحمل على أحد وجهين:
أحدهما :
-أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه، ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى.
وهذا النوع يكون:
-تارة مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك، ولكن مقصوده أن يلبس على خصمه،
-وتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجح ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسر برأيه أي رأيه حمله على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه.
-وتارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به، كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول قال الله تعالى:" اذهب إلى فرعون إنه طغى " ويشير إلى قلبه، ويومئ الى انه المراد بفرعون، هذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة تحسينا للكلام وترغيبا للمستمع، وهو ممنوع لأنه قياس في اللغة، وذلك غير جائز. وقد تستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذاهبهم الباطلة، فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعا أنها غير مرادة.
فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي.
الوجه الثاني:
أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة ، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير، فمن لم يُحْكِم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي.
والنقل والسماع لا بدله منه في ظاهر التفسير أولا ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط.
والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ألا ترى أن قوله تعالى:" وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها" معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها، فالناظر إلى ظاهر العربية يظن أن المراد به ان الناقة كانت مبصرة، ولا يدري بماذا ظلموا، وأنهم ظلموا غيرهم وأنفسهم، فهذا من الحذف والإضمار، وأمثال هذا في القرآن كثير.
وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهي إليه. والله أعلم.
قال ابن عطية:" وكان جلة من السلف الصالح كسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وغيرهما يعظمون تفسير القرآن ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم مع إدراكهم وتقدمهم".
قال أبو بكر الأنباري: وقد كان الأئمة من السلف الماضي يتورعون عن تفسير المشكل من القرآن:
-فبعض يقدر أن الذي يفسره لا يوافق مراد الله فيحجم عن القول.
-وبعض يشفق من أن يجعل في التفسير إماما يبنى على مذهبه ويقتفى طريقه. فلعل متأخرا أن يفسر حرفا برأيه ويخطئ فيه ويقول: إمامي في تفسير القرآن فلان الإمام من السلف.
وعن ابن أبي ملكية قال سئل أبو بكر الصديق عن تفسير حرف من القرآن فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني! وأين أذهب! كيف أصنع! إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد .
والله اعلم....