كان من شيوخي الأعلام ممن انعقدت الأفئدة على محبته شيخنا المحدث الأستاذ الدكتور زين العابدين بن محمد بلافريج الرباطي أصلا ومحتدا البيضاوي دارا ومستقرا المغربي بلدا ووطنا...ولقد عرفت الشيخ المحدث زمانا في أيام الصبا وفتاء السِّن...عرَّفني به خالُه قريبي..وأحضرني مجلس درْسه الذي كان يعقده في شرح صحيح مسلم عقِب صلاة العشاء بالمسجد الكبير بالسُّويْقة بالرباط في المدينة القديمة وكان الشيخ حينئذ طالبا في كلية الحديث بالمدينة النبوية..فكان كلما جاء في الإجازة الصيفية زائرا أهلَه جلس ذاك المجلس فحدَّثَ...ودار الزمان وتقلبتِ الأيام...ومنَّ الله عليَّ بطلب هذا الشأن فكنتُ طالبا في كلية عين الشق بالدار البيضاء من أرض مغرب الأمس..وفي السنة الثانية من سنوات الدراسة الجامعية دخل علينا الفصل الدراسي رجلٌ طُوالٌ لابسا المعطف العصري في بهاءِ أهل العلم، وسناءِ أهل الحِجى والوقار...فكان مُدرِّسَنا لمادة الفكر الإسلامي من خلال كتاب العقيدة الطحاوية التي كان يسردها من حفظه...وكان ذاك الداخل هو شيخنا المحدث العلامة زين العابدين بلافريج...ودرَّسنا الشيخ الهُمام القراءات القرآنية، إذ كان الشيخ حفظه الله صاحب صوت ندي، وأداء حسًن، ودرَّسنا الشيخ العلامة العلمَ الذي ملك عليه شغافَ قلبه الحديثَ وعلومه والتخريجَ وطرائقه...وكنا في تلك الفنون نفيد منه علما...كما نفيد منه خلقا رفيعا وأدبا جميلا وهديا وسمْتا...وحبَّب إلينا الشيخ الحديثَ وزيَّنه في قلوبنا، وألقى في روعنا أنه العلم الذي سيُطوى بساطُه في هذا الزمان، وأنه ينبغي أن نسعى فيه سعيا حثيثا.. وبين يديه تدربْنا في الذود عن حياض الحديث والدفاع عن الشريعة والانتصار لثوابت الأمة وهويتها ودينها، وكان الشيخ حفظه الله مُشرفي على بحثي في الإجازة..وامتدت بيننا حبال الوصال بعد الإجازة فكنت أزوره في داره العامرة ..وأدخلني مرات عديدة مكتبته الزاخرة بشريف المطبوعات...وأوقفني فيها على نوادر ثمينة وأعلاق نفيسة لا تقدر بثمن...وشرُفت بمناقشته لبحثي الحديثي لنيل دبلوم الدراسات العليا ...وكان حريصا على أن تكون نتيجة المناقشة الميزة الحسنة مع التوصية بالطبع...ولما منَّ الله عليَّ بتسجيل بحث الدكتوراه كان الشيخ المحدث الهمام مشرفي على البحث متابعة وإفادة ودفاعا وذبا...وسعى في التعجيل في مناقشة الأطروحة سعيا لما قد جرى فيها من التأخير الظالم الذي خالف فيه رئيسُ المؤسسة الأعراف الجامعية والقوانين المعمول بها في هذا المجال...فكان الشيخ الهمام في كل ذلك نِعْم الناصح المدافع المحافظ على حقوق الطالب، حتى أتى الفرجُ وهُزم الظلمُ، وانتصر الحقُّ...ومناقب شيخنا العلامة كثيرة لا تنعدُّ وأفضاله على جيل من طلبة العلم لا تكاد تحصى، وتخرَّج على يديه طوائف من الباحثين، وكان سببا في جريان الخير على كثير من الناس...وأشرف على رسائل وأطاريح كثيرة...وألَّف وحقَّق كتبا كثيرة...وله خطب منبرية معروفة ودروس وعظية مسجَّلة محفوظة...وأقوالٌ وعبارات ٌ كأنها الحكمة معروفة...حفظ الله شيخنا المحدثَ الهمام وأبقاه ذخيرة لأهل المغرب، إذ أحيا الله به وبأمثاله من المشايخ – في هذا الزمان- رُسومَ الحديث في هذا الأفق الغربي...وبعَثَ به سيرة حفاظ أعلام كانوا في هذه الديار...فهو في المتأخرين كالأصيلي في المتقدِّمين....