كان من أساتذتي الفضلاء الذين لهم عليَّ منة لا أنساها ما رفعت يدي قلما لتكتب، أستاذ مراكشي الأصل بيضاوي المستقر لا أعرف من اسمه إلا هذا الاسم فوزي...أثبته معرفةً لما كنت طالبا في السنة السادسة ثانوي في التوجه الأدبي الذي سلكته عن محبة ورضا وأريحية...كان الرجل قد أوتي بسطة من علم وأدب، فلقد رُزق التبحر في علوم العربية والتوسع في علوم الشريعة...مع الغيرة على الثوابت والذود عن الأصول...منَّ الله به عليَّ إذ لمس فيَّ ميلا إلى الأدب وعشقا للعربية فأخذ بيدي إلى المعالي وهذَّب فيَّ ذوقي..ورغَّبني في قراءة فصيح الكلِم، وأوقفني على عيون الأدب التي تُنشئ مبدعا، وتُخرِّج أديبا...كان الرجل جماعة للكتب، عاشقا لشراء أعلاقها، يحدثنا في الفصل الدراسي عن آخر ما قد اقتنى منها حديثَ المُحِبِّ الولهان، والعاشق الصَّدْيان..فحبَّب إلينا ونحن يومئذ صغاَرٌ أغْرار الكتابَ، ورغَّبنا في شرائه واقتنائه...وكان الرجل مؤلفا كاتبا يحدثنا عن تآليفه التي لم تتم بعدُ عن نقده لطه حسين وانتصاره لأديب العربية والإسلام محمد صادق الرافعي...فتخرجنا نحبُّ أدب الرافعي ونعشق كلماته، وننحو طريقته ونترسم خطاه...كان الرجلُ ينزِّل المتقدم فينا منزلته ولا يغمطه حقَّه...وكنت أسعدُ بقراءة إنشائي أمام الطلبة وقد قدَّمه الأستاذُ على غيره وميَّزه...ودارت الأيام وتوالت السنون وشققت طريقي في الجامعة متعلما دارسا...بيْد أنني لم أنْسَ أستاذي فوْزي...كانت ثمراتُ ما قد غرسَ فيَّ بادية، وغراس ما قد سقاه من أرضي يانعة باسقة..ظللت أذكر له ما قد أطلعنا عليه من أسماء كتب انتقدت طه حسين ومذهبه في التوسع في الأخذ بحضارة الغرب وجنايته على الأدب في شعره الجاهلي...وكنت دائمَ السُّؤال عن أستاذي ..لشدة اشتياقي إلى كلماته المشجِّعة..حتى ظفرت منه بلقاء عابر بين كتبٍ يتجول في أروقة بيعها في المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء من أرض المغرب...فلقيت منه رجلا قد تغير حاله إذْ طعنَ في السِّنِّ بعد شباب ظاهر، فعرَّفته بنفسي، فتذكرني بعد نسيان، وعرَفني بعد أن غبتُ عنه سنين طويلة.. وقال:" أنتَ الذي تكتب في مجلة كذا وكذا..."..فقلت له:" هذا غراسك، وتلك ثمرتك..فطبْ نفسا فلقد زرعتَ فحصدت، ونصحتَ فأخْلصتَ..وسأبقى حسنتك الجارية..وصدقتك المعلومة ما أمسكتُ قلما فكتبتُ أو تكلَّمتُ فحاضرتُ...