من أهم الأمور التي يزكي بها الإنسان نفسه : البعد عن أسباب المعاصي ، إذ فعل المعصية يسود القلب ، ويدسي النفس ؛ روى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ : " إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ ، فَإِنْ تَابَ مِنْهَا صُقِلَ قَلْبُهُ ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهُ تَعِالَى : كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ " ؛ قال الحسن البصري : وهو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت .
والإنسان إذا بعد عن أسباب المعصية ، فلا شك أنه لا يقع فيها فيكون ذلك إصلاحًا لقلبه ، وزكاة لنفسه ؛ ولنضرب مثالا ؛ قال الله : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [ النور : 30 ] ؛ فنهى عن النظر إلى النساء الأجنبيات ، وقال سبحانه : ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ؛ لأن النظر بريد الزنا ، وأول أسبابه ، فإذا لم ينشغل الإنسان بذلك ، فقد زكَّى نفسه ، وبَعُد عن الوقوع في الفاحشة .
وهاهنا نكتة لغوية وهي أن فعل ( يغضوا ) من الأفعال الخمسة ، فلماذا حذفت نونه ؟ لأنه وقع جوابًا للأمر ، والتقدير : قل للمؤمنين : غضوا يغضوا ؛ فجزم بحذف النون ؛ وقيل : التقدير : إن تقل للمؤمنين : غضوا يغضوا ؛ وذلك أن المؤمن أسرع في إجابة الله ورسوله .
وجاء الأمر بعد ذلك للنساء أيضًا ، قال جل ذكره : وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [ النور : 31 ] ؛ فهذه أسباب للوقوع في الفاحشة : النظر ، وعدم حفظ الفرج ، وإبداء الزينة ، وهو تبرج النساء ؛ والتساهل بعد ذلك في النواهي الشرعية من عدم الاختلاط ، وعدم الدخول على النساء ، وعدم سفر المرأة بلا محرم ... وغير ذلك مما تساهل فيه الناس ، فكان نتيجته ظهور الزنا ... سلمنا الله من المعاصي وآثارها .
فالبعد عن أسباب المعصية ، زكاة للنفس ، وراحة للقلب والبدن ؛ وفي الأثر : ( النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ، من تركها مخافتي ، أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه ) .
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، واجعلنا من الراشدين ، فضلا منك ونعمة ، يا ذا المن والفضل .. يا سميع الدعاء .