كنت أدرس تلاميذي الماليزيين (بنين وبنات ١٤ سنة) هذا الحديث:
"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ"

وبعد البيان والوقوف على المعاني والأفكار عادة أسأل تلاميذي:
هل يوجد سؤال؟

فسألني أحدهم:
إذا زنا الصبي أو سرق قبل البلوغ هل يكتب ذلك في صحيفة سيئاته؟

فقلت: سؤال خطير.
واسمعوني جميعا ، اتركوا القلم، اتركوا الدفتر، كونوا معي بأسماعكم وعيونكم وعقولكم وقلوبكم:

كما ذكرتُ لكم في الحديث: (رُفِع القلم عن الصبي حتى يَبلُغ)
وبلوغ الصبي إما بالاحتلام أو بلوغه خمس عشرة سنة.

ومعنى الحديث يقول أن السيئات لا تكتب قبل البلوغ
لكن تعالوا معي نرى ماذا يقول العلماء والفقهاء ونتأمل الواقع والحال الذي نعيشه.

العلماء حكموا أن التمييز لدى الصبي (ذكر أو أنثى) يبدأ في عمر السابعة حتى العاشرة؛ لأن الطفل خلال هذه الفترة يبدأ في معرفة وتمييز الأعمال والأفكار، الحلال والحرام، الصحيح والخطأ.

بعد سن العاشرة تزداد المعرفة ويزداد التمييز، فيعرف أكثر ، ويرى أكثر ، ويتعلم أكثر، ويفهم ويدرك أكثر الواجب من غير الواجب، والمقبول من غير المقبول، والمحمود من الأعمال والأقوال والأفكار من المذموم منها.

بعد سِنِّ العاشرة صار الصبي يدرك ويعي أكثر الواجبات والمحظورات والمُباحات.

فهل هذا يعني أنه أصبح مسئولا عن كل أعماله وأقواله وتكتب سيئاته في صحيفة أعماله؟

في الأسرة والمدرسة والمجتمع هو مسئول عن كل أفعاله وأقواله وأفكاره، يكافئونه إن أحسن، ويحاسبونه ويرشدونه إن أخطأ، ويعاقبونه إن لم يسمع ويطع.
هذا في المجتمع
فهل تكتب السيئات في صحيفته بعد سن العاشرة؟
والجواب: لا ، لا تكتب.

ولكن انتبه:

لا تحسبن أنك غير مسئول ولم تبلغ فتذهب وتزني أو تسرق ، لا ، لا.
أنت الآن تعرف أن الزنا حرام، والسرقة حرام، والخمر حرام، و...
إن الأمر خطير جدا،
إنك إن فعلتَ هذه الذنوب (الزنا ، السرقة، ....) قبل البلوغ فلا أظن أنك تستطيع أن تتوقف عنها وتتوب منها وتنتهي عنها بعد البلوغ.

فمن يزني قبل البلوغ فسوف يزني بعد البلوغ،
ومن يسرق قبل البلوغ فسوف يسرق بعد البلوغ،
ومن يتعود الكذب قبل البلوغ فسوف يكون الكذب طبعا فيه بعد البلوغ، وهكذا غيرها من الذنوب.

وهذا لا شك فيه،
وإليكم مثالا:

التدخين:
الطفل الذي يبدأ التدخين قبل البلوغ يصعب جدا أو لا يمكنه أن يتركه بعد البلوغ مهما طال عمره.

ومدمن المخدرات: فمَن يُدمِن المخدرات قبل البلوغ أو بعده يصعب جدا عليه أن ينفك عنها ويتركها.

مرة أخرى:
مَن يزني قبل البلوغ لن يستطيع أن يتوقف عن الزنا بعد البلوغ.
ومن يسرق أو يشرب الخمر أو يكذب أو يفعل غير ذلك من الذنوب لا أظن أنه يستطيع أن ينفك عنها ويتوب منها وينتهي عنها بعد البلوغ.

إن مِن رحمة الله أنه لا يحاسب الصِبيان على أخطائهم ومعاصيهم قبل البلوغ، فاحذر أن تضيع هذه الرحمة وتجعلها عذابا تكتوي به بعد البلوغ.

فاحفظ نفسك قبل البلوغ يحفظك الله بعده.
افطِم نفسك عن المعاصي قبل البلوغ يفطمها الله لك ويربيها لك بعد البلوغ.

هذا بعض ما كان من جوابي هذا السؤال وأرجو أن أكون قد وُفِّقت.
والسلام عليكم

د. محمد الجبالي