أصناف الناس حسب مرورهم على الصراط ثلاثة: ناج مسلَّم، أي: لا يناله شيء أصلا. ومخدوش مرسل، أي: يخدش ثم يرسل فيمر، والثالث: مكدوس في نار جهنم، أي: يكدسون بعضهم فوق بعض في النار أعاذنا الله تعالى.

أما الصنف الأول : فأهل الجنة ؛ وأما الصنف الثاني : فمن أهل الجنة أيضًا، ولعل منهم أصحاب الأعراف الذين تقدم ذكرهم ؛ وأما الصنف الثالث فقسمان : الأول : أهل النار الذين هم أهلها وأصحابها ، وهم من مات على الكفر من الإنس والجن ، وكذلك المنافقون من الإنس والجن ، فهؤلاء خالدون في النار لا يموتون فيها فيستريحون ، ولا يحيون حياة فيها انتفاع ، بل هم في عذاب أليم مقيم يتلَّون عليهم ألوانًا ، كما قال الله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ. وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ فيكون الجواب : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (فاطر: 36: 37) ؛ وأما الكفار من غير المنافقين فقيل : إنهم لا يمرون على الصراط ، بل يسحبون على وجوههم إلى النار ، قال الله تعالى : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (القمر:48).

والقسم الثاني : هم عصاة المؤمنين ، يعذبون حسب خطاياهم لأجَلٍ يعلمه الله تعالى ، ثم يؤذن للشفاعة فيهم ، كما تقدم ، فيخرجون " قد امتحشوا " ، كما في حديث أبي هريرة عند الشيخين .

وروى أحمد ومسلم وابن ماجة وغيرهم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله :" أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم نار بذنوبهم أو بخطاياهم فأماتتهم إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن لهم في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة ، فقيل : يا أهل الجنة أفيضوا عليهم ، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل " قال : فقال رجل من القوم : كأن رسول الله قد كان في البادية . وضبائر ، أي : جماعات ، والمعنى أنهم يخرجون قد احترقوا حتى صاروا كالفحم ، فإذا ألقوا في نهر الحياة أو الحيا ، عادت إليهم الحياة ، ويفيض عليهم أهل الجنة بما يجعله الله تعالى سببًا - أيضًا - في اكتمال نموهم . روى أحمد والترمذي عن جابر قال: قال رسول الله : " يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا فيها حممًا ، ثم تدركهم الرحمة ، فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة ، قال : فترش عليهم أهل الجنة الماء ، فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة السيل ، ثم يدخلون الجنة" .

وروى أحمد والبخاري وأبو يعلى عن أنس عن النبي قال : " ليصيبن أقوامًا سفع من النار بذنوب أصابوها عقوبة ، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته ، يقال لهم: الجهنميون " ، وفي لفظ لأحمد : " يدخل النار أقوام من أمتي حتى إذا كانوا حممًا ادخلوا الجنة، فيقول أهل الجنة : من هؤلاء ؟ فيقال : هم الجهنميون " . ورواه أحمد من حديث حذيفة بنحوه ، ورواه أحمد وابن حبان من حديث ابن مسعود بنحوه. والأحاديث في ذلك متواترة كما تقدم .