كان شيخنا المحدث الأستاذ الدكتور فاروق حمادة السوري الأصل المغربي الدار من بين شيوخي الذين شرُفت بالتَّلمذة عليهم في الدِّراسات العُليا في رباط الفتح في كلية الآداب -المُصاقبة لباب الرواح الشهير- في أيام نهضتها وريادتها في البحث العلمي الرصين في أواخر ثمانينيات القرن الماضي...كان الشيخ العلامة المحدِّث جليلَ القدر عظيمَ الشأن ذا هيبة ووقار...عالما مطلعا ذا فصاحة وبيانٍ يخوض في غير ما علمٍ وألَّف في أنواع منه...لكن العلم الذِّي غلب عليه وعُلمت له شهرة فيه علم الحديث... ولقد ألف فيه كتابه النافع الماتع :" المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل"..وكان الشيخ المحدِّثُ كثيرَ الذِّكر له، لا يفتأ يُعدِّد فضائله ويصفُ من منهجه وكبيرِ عائدته، وأنه سلك فيه طريقة جديدة بحيث كانت كتب المصطلح القديمة تبدأ بالكلام على الصحيح والحسن والضعيف، وتؤخِّر مباحث الجرح والتعديل، فجاء العلامة الشيخُ فقلَب الأمر فبدأ بمباحث الجرح والتعديل التي ستُثمر بعدُ التصحيح والتحسين والتضعيف...وكُتبُ الشيخ المحدث كثيرة وعظيمة النفع مرجوعٌ إليها ككتابه عن مصادر السيرة النبوية وتقويمها وخطبة حجة الوداع وتحقيقه لكثير من كتب النسائي وغير ذلك...وكان الشيخ العلامة لا يعرفني قبل سنوات التخصص لأني قدمتُ الرباط من الدار البيضاء طالبا العلمَ في مرحلة الدبلوم...فيسر الله لي النُّجحَ في الاختبار الكتابي وظفرت بالرتبة الثانية...وكان الاختبارُ الشفوي يومئذ من مكملات الاختبار الكتابي...فدخلتُ على الشيخ المحدِّث خائفا وجِلا لهيبته وجلالته- فجلستُ بين يديه منتظرا أسئلته، فبدأني الشيخ بقولٍ لم أكن أتوقعه، ولا حلُمت به إذ قال لما رآني وعلِم مكاني وعرف اسمي:" لقد نجحتَ يا فلان رغم أنفي.."...فسُقط في يدي، فَلَلْأرضُ التي أقفُ عليها أرضٌ ولا السماءُ سماء... وشرع الشيخ المحدث في اختباري وانهالت عليَّ أسئلته من هنا وهناك..وأنا أجيب بما وُقفتُ إليه حتى إذا رأى الشيخُ أنْ قد تبين له الصبحُ قال لي:" أنا متوقفٌ في حالك..." فدخل في تلك اللحظات شيخنا العلامة المفكر الكبير محمد الأمين الإسماعيلي حفظه الله...فسأله شيخنا المحدث عني– وقد علِم أنه خبيرٌ عليمٌ بطلبة الدار البيضاء ونبهائها- فأجاب شيخنا الإسماعيلي وكان يعرفني:" وكيف لا أعرف طالبا درس عليَّ في الدار البيضاء.."..ومنَّ الله عليَّ بعدُ بالظفر في ذاك الاختبار بدرجة حسنة..وتوثقتْ علاقتي بشيخنا المحدث فكان المشرفَ عليَّ في رسالة دبلوم الدراسات العليا التي حققت فيها اليواقيت والدرر للمُناوي في تحقيقٍ حافل قبل أن يحقق الكتاب في عدة جامعات عربية أخرى، وخروجه منشورا بدهر طويل...وأفدت في رسالتي تلك من تعقبات الشيخ العلامة ونظَراتِه علما وأدبا كما أفدت من شخصيته هدْيا وسمْتا وحسن معاملة... وأشرف الشيخ العلامة على مئات الرسائل العلمية وانتشر لتلاميذه ورواد مجالسه ذكرٌ حسن في الآفاق...وغدا طلبته النبهاء أساتذة في الجامعات المغربية وغيرها...حفظ الله شيخنا العلامة المحدِّث وجزاه خيرا على ما علَّم ودرَّس وأشرف ونصَح ووجَّه وجعل ذلك في موازين حسناته يوم لقاء ربِّه...