القَولُ الصَّاغ في مآثر العلَّامة محمَّد بن لُطفي الصَّبَّاغ تعالى، إعداد: عمير الجنباز
في ذمَّة الله شيخنا الجليل د.محمَّد بن لُطفي الصَّبَّاغ، تغمَّده الله برضوانه، وأورده موارد إحسانه، وأعلى مقامه، وبلَّغه في دار الجزاء مرامه، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون..
وهوَ أحدُ بقيَّةِ العلماء العاملين، وزينةِ الدُّعاةِ الصَّادقين، الأمناء على دين الأمَّةِ وعقيدتها، الأوفياء لشريعتها ورسالتها، وهو أحدُ أساطين الرِّوايات والدِّرايات، والتَّحقيقات والتَّقريرات، مَن طارَ في الآفاق ذكره، وطابَ في النَّاسِ مقامُه وقدرُه، وهو المُحدِّثُ المُبجَّل، والأديبُ المُفضَّل، والمفسِّرُ الألمعيّ، والفقيهُ اللَّوذعيّ، ذو المناقب العديدة، والشَّمائل الحميدة، والأخلاق المُنيفة، والشِّيم اللَّطيفة، فارسُ البداعة والبراعة، وصايغُ نبراس البلاغة، ولد بدمشق عام 1350ھ-1930م، ونشأ في حيِّ الميدان على الدِّيانة والصِّيانة، والعلم والطَّلب، إلى أن نال المرام والأرب، فتلقَّى القرآن والعلوم الشَّرعيَّة والعربيَّة على علمائها كالشَّيخ سليم اللَّبني المقرئ، والشَّيخ صالح العقَّاد مفتي الشَّافعيَّة، والشَّيخ حسن حبنَّكة الميداني، والشَّيخ عبد الوهَّاب الحافظ، والشَّيخ بهجة البيطار، والشَّيخ سعدي ياسين، والشَّيخ محمَّد خير ياسين، والشَّيخ علي الطَّنطاوي، والأستاذ سعيد الأفغاني، وغيرهم، فاستكملَ من الكمال أعلاه، ومن العلم أولاه، ثمَّ التحق بقسم اللُّغة العربيَّة كليَّة الآداب الجامعة السُّوريَّة"دمشق" وتخرَّج منها، بعدها سلكَ في ميدان الدَّعوة والتَّربية والتَّعليم، فكان فصيحَ اللِّسان، مليحَ البيان، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المُنكر، مع شهامة طِباع، وجودة ذهنٍ وكمال اطِّلاع، ثمَّ انتقلَ إلى رياض نجد عام 1382ھ-1962م، أستاذًا في كليَّة الشَّريعة واللُّغة العربيَّة ثمَّ كليَّة التَّربية والآداب جامعة الرِّياض"الملك سعود" سنين مديدة، ومناقشًا ومشرفًا على أطروحات علميَّة عديدة، ومُعدًّا ومُقدِّمًا لبرامج إذاعيَّة مُفيدة، تخلَّل ذلك حضوره لدروس علماء أعلام: كالشَّيخ محمَّد ابن إبراهيم آل الشَّيخ مفتي الدِّيار السُّعوديَّة، والشَّيخ عبد العزيز ابن باز، والشَّيخ عبدالرَّزَّاق عفيفي، ودراسته الماجستير ثمَّ الدكتوراه في جامعة الإسكندريَّة ونيله العالِميَّة عن أطروحته:"التَّصوير الفنِّي في الحديث النَّبوي".
فكان دوحةً للعلوم والمعارف، وروضةً للآداب وظلَّها الوارف، عالمًا مُجيدًا مُشاركًا، مُهتمَّا بحال وواقع الدَّعوة الإسلاميَّة، منهلًا لكلِّ قاصدٍ ورائم، عاملًا بعلمه لا يخشى في الله لومة لائم، مستحضرًا للأدلَّة النَّقليَّة والعقليَّة، والشَّواهد النَّحويَّة والشِّعريَّة، والمحاضرات والنُّكت الأدبيَّة، مُتمسِّكًا بعقيدة السَّلف الصَّالح ومُنافحًا عنها، وله من التَّآليفِ والتَّحقيقات ما يشهدُ له بكمال المعرفة والدِّراية، لا يملُّه جليسه، ولا يرومُ فراقه أنيسه، كثير التَّواضع والحلم، غزير العمل والعلم، حسن الشَّكالة، ظاهر الجلالة، مع شهادة أهل العلم بفضله، ووثوقهم بعلمه ونقله، ولم يزل على حالته وإفادته، وعفَّته وعبادته، وانكبابه على التَّعليم والمطالعة، والتَّفهيم والمراجعة، مع همَّة وعزمة، وتجمُّل وحِشمة، إلى أن مرضَ مرضَ موته، وآن أوان ارتحاله وفوته، وعزَّ لحاقه، وأوحشَ فراقه، أحسن الله قراه، وأجزل له مواردَ الغفران وأنماه، ورفع أعماله إلى درجات الأبرار ورقَّاه، وجعلَ جنَّة الفردوس مأواه ومثواه..
وأورد هنا في رثائه، قصيدة ألقاها رفيقه وصديقه أستاذنا د. عدنان النَّحوي-- عن مآثره الجمَّة، منها:
هنيئًا أبا لطفي، عكفتَ ولَم تزل...تُجمِّعُ من زادِ الهُدى وتُهذِّبُ
فيصفو لكَ القُرآنُ آيًا وحكمة...ويصفو حديثٌ للرَّسولِ مُحبَّبُ
تُحقِّقُ من هَدي الأحاديثِ تصطفي...بها الحقَّ والرَّأيَ الَّذي هُوَ أصوبُ
وتدفعُ عنها كُلَّ رَيبٍ فتنجلي...دراريُّ من صفوِ الأحاديثِ ثُقَّبُ
فكَم من كتابٍ قد وضعتَ كأنَّه...مواردُ للظَّمآنِ تَروي وتعذُبُ
جلَوتَ بيانًا للرَّسولِ كأنَّه...أزاهيرُ رَوضٍ أو أجلَّ وأطيبُ
هذا بيانٌ فوَّحَ الدَّهرَ كُلَّه...وتلكَ زهورُ الرَّوضِ تَذويِ وتَذهبُ
هنيئًا أبا لطفي، فكَم من مجالسٍ...نثرتَ بها الدُّرَّ الَّذي هوَ أعجبُ
نصحتَ بآياتٍ من الله أُنزِلَت...وقُمتَ بهديٍ للرَّسولِ تُرغِّبُ
يظلُّ لهاتيكَ المجالسِ عطرُها...وفاءٌ له في الصِّدقِ حقٌّ ومأربُ
كأنَّ وجوه القَومِ فيها أزاهِرٌ...فَينهلُّ غيثٌ مِن حديثِكَ صَيِّبُ!