كان شيخنا المحقِّق المدقِّق الأستاذ الدُّكتور محمَّد الرَّاونْدي شفاه الله من الأساتذة الذين شرُفت بالتَّلمذة عليهم في رِحاب دار الحديث الحسنيَّة في عُهود عزَّها العلميّ ومجدها الأدبيّ في أواخر ثمانينيات القرن الماضي...كان الرَّجل واسعَ الاطلاع جمَّاعة للكتب، ذا تدقيقٍ وتحقيقٍ، ونقدٍ وتعليقٍ، واعتراضٍ وتنكيتٍ، لا ينفكُّ من كتابٍ بيْن يديه يأتينا به في مادة الحديث وعلومه – يعلِّق عليه، ويدْفع في صدْر مؤلفه وهو كثيرٌ، أو يُثني عليه ويرفع من قدره وهو قليلٌ..مع سعة المعرفة بمخطوطات الكُتب وأماكن وجودها...وكان لطف الله به كلَّما جاءه من نُسخ الكتب الحديثية كتابٌ أتانا به وأوقفنا عليه، ودرَّبنا على قراءته، والكشْف على أوهام منْ حقَّقه أو أغلاطه وسَقطاته، وكانتْ مجالسُ درْسه لا تخلو من فوائد جديدة نجتنيها، أو عوائد طريفة نقتطفها، فكنَّا لدرسه نشتاقُ، ولمجلسه نطربُ ونرتاح...ولقدْ تعرَّفتُ على شيخنا لأوَّل مرَّة في مُباراة الوُلوج إلى دار الحديث الحسنيَّة ...إذْ سألني أسئلة شفوية فأجبتُ عنها بما حضرني ثم علمتُ بعدُ أن ذلك كان سببَ ظَفَري في المباراة...ومن يومئذ توثقتْ علاقتي بشيخنا فكنتُ أراجعه لعاميْن من التكوين في الدَّار العامرة بالقرآن والحديث يومئذ – فيما أشْكلَ عليَّ من عوِيصاتِ المسائل وأخبار الكتبِ مخطوطِها ومطبوعِها فيُفيدني الفائدةَ التي يعظُم النَّفع بها...ولمَّا تأهلتُ لهذا الشأن أشْركني في المُناقشة والإشْراف على بعض الرَّسائل العلميَّة...كما أنَّه أثنى على بعضِ ما ألَّفتُ وانتقدَ بعضَ ذلك...حفِظَ الله شيخنا الأستاذ الدُّكتور الكبير..معلِّم الأجيال ومُلحق الصغار بالكبار...