الاستهزاء بآيات الله الكونية صورة من صور الإلحاد فيها:

من الرسائل التي وصلتني منذ أيام على بعض وسائل الاتصال نكت ساخرة بخصوص تأخر نزول المطر واستمرار الجو الحار، رغم انتهاء فصل الصيف واقتراب فصل الشتاء([1])، وظن من أرسلها إلي أنها ستكون سببا لابتساماتي وربما لضحكي، لكن العكس هو الذي حصل، فقد آلمني ذلك، وقلت في نفسي: حتى آيات الله الكونية لم تسلم من التنكيت والسخرية؟
فعزمت أن أكتب شيئا في هذا الموضوع معذرة إلى الله تعالى وتبرئة للذمة ونصحا للعاقل وتنبيها للغافل:

وسيكون موضوعي في مسألتين:
1- مظاهر الإلحاد في آيات الله الكونية.
2- إيراد سؤال وجوابه.

توطئة:
قد يظن البعض أن التنكيت بآيات الله الكونية لا بأس به وأنه من المرح والتسلية والمزاح، والأمر ليس كذلك بل هو أعظم بكثير مما يتصوره هؤلاء، إن هذا التنكيت هو من السخرية والاستهزاء بآيات لا تملك لنفسها تصرفا ولا تحولا ولا تستطيع لنفسها بله لغيرها نفعا ولا ضرا إلا بمشيئة خالقها ومدبرها وهو الله جل في علاه.
وبالتالي فهذه السخرية هي في حقيقتها سخرية بالله تعالى.
ولتوضيح ذلك نضرب مثالا: إذا مر قوم بآلة متحركة يتحكم فيها صانعها بمفتاح تحكم، فسخروا منها، أليست هذه السخرية في الحقيقة سخرية بصانع الآلة المسير لها؟، بلى.
ولله المثل الأعلى، فكل آيات الله الكونية: من ليل ونهار وشمس وقمر، وصيف وشتاء، وحر وقر، وسحاب ورياح...كل ذلك مسخر ومدبر من خالقه وفاطره عز في علاه.

1- مظاهر الإلحاد في آيات الله الكونية:


لا ريب أن الاستهزاء بآيات الله الكونية أمره عظيم وخطره كبير، لأن هذا الاستهزاء في حقيقته - كما أسلفت- استهزاء بمدبر هذه الآيات ومسخرها، فكل آيات الله الموجودة في هذا الكون من رياح وسحاب وشمس وقمر وليل ونهار...ما هي إلا مربوبة مسخرة لا حول لها ولا قوة إلا بإذن خالقها ومدبرها جل في علاه، وهو سبحانه قادر على إيقاف حركتها بل هو قادر على أن يخرجها عن طبيعتها، ألا ترى أن الشمس طبيعتها أن تطلع من المشرق، وستتغير هذه الطبيعة يوما ما لتطلع الشمس من المغرب.

وتأمل في قول الله تعالى:" قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72)"-القصص-، فالله تعالى هو المتصرف المدبر لهذه الآيات الكونية، فمع أن طبيعة الليل أن يبدأ بظلامه بعد نهاية النهار واستمراره حتى يقترب الفجر، ليحل مكانه النهار بضيائه، فالله تعالى قادر على أن يغير هذا الأمر الكوني أو هذه الطبيعة الكونية بجعل الليل سرمديا والنهار كذلك.
يقول الشيخ الشعراوي تعالى:"إن للكون مالكاً لكلِّ ما فيه؛ جماده ونباته وحيوانه؛ وهو سبحانه قادر ، ولا يقدر كائن أن يعصي له أمراً؛ وهو القادر أن يخرج الأشياء عن طبيعتها؛ فإذا جاءت غيمة وتحسب أنها ممطرة؛ قد يأمرها الحق سبحانه فلا تمطر .
مثلما قال سبحانه في موضع آخر من كتابه الكريم :
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [ الأحقاف : 24 ] .
إذن : فلا تأخذ الأسباب على أنها رتابة؛ إنما ربُّ الأسباب يملكها؛ فإن شاء فعل ما يشاء."([2]).

والحق أن الاستهزاء بآيات الله تعالى الكونية مظهر من مظاهر الإلحاد في هذه الآيات:
يقول الله :" إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا"-فصلت-، واللحد الميل، يقول ابن فارس:" (لحد) اللام والحاء والدال أصلٌ يدلُّ على ميلٍ عن استقامةٍ. يقال: ألْحَدَ الرّجلُ، إذ مال عن طريقةِ الحقِّ والإيمان."([3])، ومعلوم أن الجمع المضاف من صيغ العموم، والأصل إبقاء العام على عمومه ما لم يرد ما يخصصه كما هو مقرر في أصول الفقه وقواعد التفسير، و آيات الله قسمان: شرعية وكونية، فإذا كان الإلحاد في آيات الله الشرعية يكون بتكذيبها ومعارضتها وتحريفها وغير ذلك من طرق الإلحاد، كما يقول العلامة السعدي تعالى:" الإلحاد في آيات الله: الميل بها عن الصواب، بأي وجه كان: إما بإنكارها وجحودها، وتكذيب من جاء بها، وإما بتحريفها وتصريفها عن معناها الحقيقي، وإثبات معان لها، ما أرادها الله منها."([4])، فإن آيات الله الكونية يكون الإلحاد فيها بعدة سبل أو طرق منها:

1- وهو أخطرها -لأنه شرك أكبر مخرج عن الملة- صرف شيء من العبادة لها، كمن يعبد الشمس والقمر أو غيرها من الكواكب، فهذه الكواكب مخلوقة مربوبة فكيف تأله من دون الله أو تعبد مع الله، وقد بين الله جل في علاه بطلان هذا المسلك وضلال أصحابه في تلك المناظرة القوية التي جرت بين إبرهيم الخليل عليه أفضل الصلاة والتسليم وقومه من عباد الكواكب([5]).
وقد نهى الله سبحانه عن هذا الفعل الشنيع بقوله تعالى وتقدس عن الند والشبيه:" وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)"-فصلت-.
وأكثر الكواكب عبادة الشمس والقمر، لذلك سيكون مصيرهما يوم القيامة أن يقذفا في النار تكبيتا وتوبيخا وتقريعا لعابديهما، كما قال تعالى:" وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) "-القيامة-،
يقول السعدي تعالى:" وهما لم يجتمعا منذ خلقهما الله تعالى، فيجمع الله بينهما يوم القيامة، ويخسف القمر، وتكور الشمس، ثم يقذفان في النار، ليرى العباد أنهما عبدان مسخران، وليرى من عبدهما أنهم كانوا كاذبين."([6]).

2- جعل هذه الآيات خاضعة للطبيعة وأنه لا دخل لإرادة الله في سيرها كما يقول أهل الطبيعة المنحرفون.
فمثلا الزلازل عندهم غضب الطبيعة والفضايانات غضب الطبيعة والأعاصير غضب الطبيعة، وكل التغيرات والحوادث الكونية ينسبونها إلى الطبيعة، كأن موجدها والمتصرف فيها الطبيعة وليس رب الطبيعة علوا كبيرا عما يقول الظالمون.

3- كما يكون الإلحاد فيها باعتقاد أن تغيرات بعضها يتعلق بأمور تحدث لبعض الأشخاص من وفاة وغيرها كما كان سائدا عند أهل الجاهلية، وقد أبطل ذلك رسول الله ، في قوله:" أما بعد، أيها الناس، إن أهل الجاهلية كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا يخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله به عباده، فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكره، ودعائه واستغفاره، وإلى الصدقة والعتاقة والصلاة في المساجد حتى تنكشف"([7]).
وفي رواية:"إن الشمس والقمر من آيات الله وإنهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فكبروا وادعوا الله وصلوا وتصدقوا.".-رواه مسلم-.
يقول العلامة الألباني تعالى:" وإذا اتفق وفاة أحد مع انكساف الشمس أو القمر، فلا يدل ذلك على شئ، واعتقاد أنه يدل على عظمة المتوفي من خرافات الجاهلية التي أبطلها رسول الله يوم مات ابنه ابراهيم ، وانكسفت الشمس فخطب الناس وحمد الله وأنثى عليه"([8])، ثم ذكر الحديث.

4- ويكون الإلحاد في آيات الله الكونية بنسبة ما يختص به الله تعالى إلى بعضها، كنسبة المطر إلى بعض النجوم وأنه لولها لما نزل غيث، وقد صح عن النبي أنه قال:
" هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة ؟ قال الله : أصبح من عبادي مؤمن بي و كافر، فأما من قال : مطرنا بفضل الله و رحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب و أما من قال : مطرنا بنوء كذا و كذا فذلك كافر بي و مؤمن بالكواكب([9])."-متفق عليه-([10]).
وهذا ما يدخل في التنجيم المذموم، وهو:" الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية فيسمى تنجيماً يعني النظر في النجوم واجتماعها وافتراقها وطلوعها وغروبها وتقاربها وتباعدها وهو من دعوى علم الغيب الباطلة التي أبطلها الله بقوله ( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ) فالتنجيم من دعوى علم الغيب وهذا هو مقصود المؤلف من هذا الباب لبيان التحذير منه([11]) ، أما النظر في منازل القمر لتعلم الأوقات والقبلة والطرقات فهذا لا بأس به كما قال أحمد واسحاق وإن كرهه قتادة وابن عيينة لكن الصواب جواز تعلم المنازل لمعرفة جهة القبلة في الأسفار والبلدان ولمعرفة أوقات الصلوات وأوقات الزراعة والفلاحة فهذا لا بأس به([12])."([13]).
وربط المطر بالنجوم لا ريب أنه من الإلحاد في هذه الآية العظيمة من آيات الله ألا وهي النجوم، فالله تعالى لم يخلقها لهذا الغرض، كما قال قتادة تعالى:" قال قتادة: خَلقَ الله هذه النجوم لثلاثٍ: جعلها زينةً للسماء, ورجوماً للشياطين, وعلاماتٍ يُهتدَى بها, فمن تأولَ فيها غير ذلكَ أخطأ وأضاعَ نصيبهُ وتكلف ما لا علم لهُ به."-رواه البخاري-.
وقد ورد الذم البليغ لمن تعلق بالنجوم في إنزال المطر واستسقى بها، يقول رسول الله :" "أَرْبَعٌ فِي أُمّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ لا يَتْرُكُونَهُنّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ, وَالطّعْنُ فِي الأَنْسَابِ, وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنّجُومِ, وَالنّيَاحَةُ"-رواه مسلم-.
والاستسقاء طلب السقيا وتكون بأمور مشروعة من صلاة وتضرع وصدق لجوء إلى الله تعالى وغير ذلك، وأما الاستسقاء بالنجوم فهو من فعل الجاهلية.

5- ويكون الإلحاد في آيات الله الكونية بسبها وشتمها، وهذا حال بعض الناس الذين تسمع الواحد منهم يسب الوقت والزمان، ولا يعلم المسكين أن الزمن لا حول له ولا قوة، وإنما هو مسير، يقول رسول الله :" قال الله : يؤذيني ابن آدم يقول : يا خيبة الدهر ( و في رواية : يسب الدهر) فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر: أقلب ليله و نهاره فإذا شئت قبضتهما"-متفق عليه-.
وفي رواية:" لا تسبوا الدهر ، فإن الله قال : أنا الدهر : الأيام و الليالي لي أجددها و أبليها و آتي بملوك بعد ملوك"([14]).
قال المنذري تعالى: " و معنى الحديث أن العرب كانت إذا نزلت بأحدهم نازلة و أصابته مصيبة أو مكروه يسب الدهر اعتقادا منهم أن الذي أصابه فعل الدهر كما كانت العرب تستمطر بالأنواء و تقول : مطرنا بنوء كذا اعتقادا أن ذلك فعل الأنواء ، فكان هذا كاللاعن للفاعل و لا فاعل لكل شيء إلا الله تعالى خالق كل شيء و فاعله فنهاهم النبي عن ذلك."([15]).
ومن ذلك سب الريح، وقد ورد النهي عن ذلك صريحا، فعن أبي هريرة ، قال:قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( لا تسبوا الريح . فإنها من روح الله تأتي بالرحمة والعذاب . ولكن سلوا الله من خيرها وتعوذوا بالله من شرها)([16]).
وعن أبي كعب قال : قال رسول الله صلى الله عله وسلم:"لا تسبوا الريح فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به."([17]).
قال الإمام الترمذي تعالى: وفي الباب عن عائشة و أبي هريرة و عثمان بن ابي العاصي و أنس و ابن عباس و جابر--.

6- ومن صور الإلحاد في آيات الله الكونية: السخرية بها والاستهزاء بها، وهو من أخطر هذه الصور، لأن الاستهزاء بالشيء المسير([18]) المسخر([19]) هو في حقيقته استهزاء بالمسير([20]) المسخر([21]) له، وكم سمعنا وقرأنا من كلام ساخر بهذه الآيات، وقد يظن البعض أن الأمر هين وهو ليس كذلك كما قال جل في علاه:" وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم"، بل ترى البعض يتفنن في هذه السخرية، من نكت ورسوم كركاتورية وغير ذلك من صور السخرية،
ولو تأمل المسكين قوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا" وما فيه من الوعيد والتهديد لانزجر عن غيه وكف عن فعله، فقوله:" لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا .. فيه تهديد شديد، ووعيد أكيد، أي: إنه تعالى عالم بمن يلحد في آياته وأسمائه وصفاته، وسيجزيه على ذلك بالعقوبة والنكال."([22]).
ولنتدبر قول الله تعالى:" وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65)"-التوبة-:
سبب نزول هذه الآية ما حدث من طرف بعض المنافقين في الطريق إلى تبوك، فعن "زيد بن أسلم ومحمد بن وهب: قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله وأصحابه، فقال عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله فذهب عوف ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به عنا الطريق."([23]).
ومعلوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من استهزأ بشيء من السنة أو القرآن أو الدين عموما أو استهزأ بالله ورسوله لحقه ذاك الوعيد الشديد عياذا بالله.
ولا ريب أن الذم يصل لمن استهزأ بشيء من آيات الله الكونية، لقوله تعالى:"وآياته..."، وكما أسلفت الجمع المضاف يعم، وليس هذا يعني إلحاق نفس الوعيد الشديد بمن سخر بشيء من الآيات الكونية، لكن لا يأمن أن يلحقه الذم العظيم وقد يصل إلى درجة ذلك الوعيد إن صاحب تلك السخرية استخفاف بالمدبر لها –عياذا بالله-.

2- إيراد سؤال وجوابه:
أختم مقالي هذا بإيراد سؤال وجوابه:
قد يقول قائل: إن ما ورد من التهديد لمن يلحد في آيات الله تعالى إنما هو خاص بآيات الله الشرعية ولا دخل للكونية في ذلك، وأكتفي بالرد عليه من ثلاث وجوه:

- الأول: أن الأصل بقاء العام على عمومه حتى يرد ما يخصصه كم قرره العلماء في مظانه. ومن قواعد التفسير:" الخبر على عمومه حتى يرد ما يخصصه"([24]).

- الثاني: أن للسياق وما يتعلق به من سابق ولاحق دور كبير في التفسير، وإذا تأملنا كلام الله تعالى وجدنا التهديد لمن ألحد في آياته سبحانه ورد بعد ذكر مجموعة من الآيات الكونية، يقول تعالى:" وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)"، وهذه كلها من الآيات الكونية، ثم قال تعالى بعد ذلك:" إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40)" –فصلت-.

- الثالث: أن حمل الآيات على الكونية وإن كان المأثور عن السلف تفسيرها باعتبارها شرعية لا يعاب، لأنه ليس تفسيرا مناقضا لتفسيرهم، خاصة إذا علمنا أن الآية إذا احتملت معنيين أو أكثر جاز حملها عليها كلها إذا لم يكن بينها تعارض، لأن هذا يؤدي إلى تكثير المعاني، يقول العلامة الشنقيطي تعالى بعد أن فسر قوله تعالى:"جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ" بتفسير لم يقل به أحد من السابقين:" ومعلوم أنها لم يفسرها بذلك أحد من العلماء، بل عبارات المفسرين تدور على أن الجند المذكور الكفار الذين كذبوه ، وأنه سوف يهزمهم، وأن ذلك تحقق يوم بدر أو يوم فتح مكة، ولكن كتاب الله لا تزال تظهر غرائبه وعجائبه متجددة على مر الليالي والأيام، ففي كل حين تفهم منه أشياء لم تكن مفهومة من قبل، ويدل لذلك حديث أبي جحيفة الثابت في الصحيح، أنه لما سأل علياً : هل خصهم رسول الله بشيء؟ قال له علي : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله رجلاً في كتاب الله، وما في الصحيفة، الحديث. فقوله : إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في كتاب الله، يدل على أن فهم كتاب الله تتجدد به العلوم والمعارف التي لم تكن عند عامة الناس، ولا مانع من حمل الآية على ما حملها عليه المفسرون.
وما ذكرنا أيضاً أنه يفهم منها لما تقرر عند العلماء من أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها صحيحة تعين حملها على الجميع كما حققه بأدلته الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية في رسالته في علوم القرآن."([25]).
هذا والله أعلم وأحكم ونسبة العلم إليه سبحانه أسلم.



([1] ) كنت سأنقل بعض هذه النكت كنموذج، لكن رأيت في آخر لحظة أنه لا داعي لذلك، والله المستعان.

([2] ) تفسير الشعراوي.

([3] ) معجم مقاييس اللغة، مادة لحد، 5/236.

([4] ) تيسر الرحمن:750.

([5] ) وذلك في قوله تعالى:"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)."-الأنعام-. والحق ن الخليل كان هنا في مقام المناظرة وليس في مقام النظر كما ظن بعضهم، وكيف يكون في مقام النظر وهو إمام الموحدين وخليل رب العلمين، وكيف يكون كذلك وقد وصفه ربه بقوله:" ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين".

([6] ) تيسر الرحمن:899.

([7] ) أورده العلامة الألباني تعالى في كتاب الجنائز قائلا:"هذا السياق ملتقط من جملة أحاديث...".

([8] ) أحكام الجنائز:46.

([9] ) يقول العلامة ابن باز تعالى:" قوله (مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا) إذا أراد بذلك أن النوء هو الذي أحدث المطر وهو المتصرف في الكون فهذا شرك أكبر ، وإن كان قصده أن النوء سبب فهذا أيضاً من أنواع الشرك ولكنه شرك أصغر فليس للنوء تسبب بل كله من الله ، وأما إذا قال مطرنا في وقت كذا مطرنا في الصيف مطرنا في الشتاء في زمن الربيع في وقت الثريا فهذا لا بأس به من باب الإخبار عن الوقت وأما بنوء كذا فلا يجوز لإطلاق النهي عن ذلك ومثله." –التعليقات البازية:50-.

([10] ) وقد أورد هذا الحديث شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب تعالى في كتاب التوحيد-باب ما جاء في التنجيم

([11] ) وهذا علم التأثير وهو محرم.

([12] ) وهو علم التسيير والصحيح جوازه.

([13] ) التعليقات البازية على كتاب التوحيد.

([14] ) أخرجه الإمام أحمد وصححه الألباني.

([15] ) السلسة الصحيحة: 2/30.

([16] ) صحيح سنن ابن ماجة.

([17] ) صحيح سنن الترمذي.

([18] ) بفتح الياء.

([19] ) بفتح الخاء.

([20] ) بكسر الياء.

([21] ) بكسر الخاء.

([22] ) تفسير ابن كثير:7/183.

([23] ) أسباب النزول للواحدي:169، وذكره بعض أئمة التفسير كالطبري وابن كثير وغيرهم.

([24] ) قواعد التفسير جمعا ودراسة:2/599.

([25] ) أضواء البيان:16/14-15.