المعركة تحت راية البخاري الجولة الثالثة أو النقد التحليلي لكتاب رشيد التجديدي !! بعد أن خار الله لنا في الجولتين السابقتين من هذه المعركة الفكرية التي لا سيف فيها ولا غبار إلا سيف الدليل العاري عن العصبية والهوى – أن نتحدث عن ملاحظات عامة على كتاب" صحيح البخاري ...نهاية أسطورة"، نتابع المؤلف حذْو القذَّة بالقُذة في كتابه كلِّه من أوله إلى آخره معرِّجين على ما يعنُّ لنا عليه من تعقباتٍ واعتراضاتٍ للفكر فيها مسْرحٌ وللدليل فيها صولات وجولات فمن ذلك: - من مقدمة الكتاب ص 7 – 9، حاول المؤلف الباحث عن عذر للقنبلة الهيدروجينية التي سيفجرها أن يتشبث بما يسعفه من دليل يأخذ بيده إلى انتقاد الجامع الصحيح للإمام البخاري- فاعتذر بأن هذا العصر يعيش مثقفوه حركة غير مسبوقة في انتقاد التراث الديني، ونحن نقول من هؤلاء المثقفون الذين يعترضون على الإسلام في مصدريْه القرآن والحديث، أليسوا هم من صنفهم المؤلف نفسه فقال إنهم من الوسط الفكري، ومن هم في حقيقة الأمر؟ أليسوا من الفلاسفة المشتغلين بالفكر والمطارحات النظرية والمتخصِّصين في بعض العلوم الاجتماعية والنَّفسية وغيرهم ممن تأثر بمناهج التفكير الغربية في قراءة التراث الديني المقدس عندهم..أليس منهم أركون والجابري وعبد الله العروي والطيب التيزيني والصادق بلعيد ومنْ تلاهم أوْ سار في ركابهم ممن استفاد المؤلِّف من أطروحاتهم تجاه " التراث الديني الإسلامي" وأخفى أسماءهم- كعبد المجيد الشرفي وأحمد عصيد والعفيف الأخضر وغيرهم ممن له توقُّف في الأخذ بتشريع إسلامي معين لأنه كذَّب بدليله الحديثيِّ، واستهجن معناه لأن َّعقله لم يفهمه!!! ونحن نسأل المؤلف: هل هؤلاء مؤهَّلون لكي ينظروا في السنة تصحيحا وتضعيفا وقبولا ورداًّ حتى يقتدي بهم وهو الذي لم يشتدَّ في الحديث عُوده، ولم يطرْ فيه شاربُه؟؟ ولكي ينفي المؤلِّف عن نفسه التُّهمة بأنه مقلِّد لهذا الضَّرْب من المفكِّرين الذِّين عاشُوا في أوطانهم غرباء مسلوبين وعن دين أهليهم بعيدين- حاول أن يتشبث بما قد سماه " فقهاء ومحدثون" تخرَّجوا من مؤسسات دينية أزهرية أو غير أزهرية ردُّوا أحاديث وانتقدوها!!!ونحن هنا نُوقف المؤلفَ ونسأله كرة أخرى من هم هؤلاء الفقهاء المحدثون، وهل هم أهلٌ لأنْ يكون الفقهُ دثارَهم، والحديثُ زينتهم؟؟!! والله ما وجدنا أحدا من المعاصرين المنتقدين للحديث صاحبَ فقه وحديث، فهل هو علمٌ علمه المؤلفُ وغاب عنا نحن حتى أوقفنا عليه المسكينُ؟!! وإذا نحن سلَّمنا بوجود هذا الضرب من المتخصصين في الفقه والحديث ممن ينتقد الحديث النبوي، فلقد أظهرت الأيام أنهم ليسوا من ذوي النوايا السليمة، وأن دافعهم إلى الاعتراض أجندة مشبوهة، ومنظمات غربية، وهيئات ماسونية عالمية..أفيقالُ بعدُ إنهم ينتمون إلى الوسط الديني الأزهري الخالص من الشوائب والقناعات المشبوهة؟؟!! - يُنبئ المؤلِّف عن مرجعيته عندما يدَّعي أنَّ النصوصَ الحديثية نصوصٌ تاريخيَّة لا قُدسيَّة لها، فهو يوظِّف المنهج التاَّريخي- أو التاريخاني كما يحلو لبعضهم أن يسميه- الغربي المستعار من بيئة غير إسْلامية ويُسقطه على " النص الشرعي"، وهذا لعمرُ الله جنوحٌ بالنَّص الحديثي عن قدسيته وشرعيته، وإخضاعٌ له لظروف اجتماعية موغلة في القِدم، وإلزامٌ له أن ينطبق على وقته وعصره حسْبُ، وأن لا يعْدوَ عصورا جديدة، وأزمنة مستأنفَة آتية، وفي هذا نسفٌ لصلاحية الإسلام جملة وتفصيلا لكل عصر وزمان، ووقْتٍ وأوان. - يتشبث المؤلف في مقدمة كتابه في الاعتذار عن نقده للسنة النبوية عموما وللبخاري خصوصا بالتقدم الهائل الذي شهِده العصرُ الحديث في النواحي العلمية والتقنية، ويحسَب المسكينُ أن هذا التقدم العلمي انتكاسة ٌفي مصداقيَّة ما قد ورد من معانٍ في نُصوص حديثية، ولقد أعظْم المؤلفُ الجنايةَ على النص الحديثي بدعوى منافاته للعلم، فأين وجد عفا الله عنه تعارضا بين العلم والحديث أو بين التقنية والحديث؟؟!! وهل صحيح ٌ كما ادَّعى في ص 8 من كتابه أنَّ العلم الحديث قد فتح فتوحات هائلة أوقفتِ الإنسان المعاصر على تفاصيل ما كان يجري في العصور الخوالي من دقائق وجزئيات، وأن ذلك يكون فيه ما يدعو إلى اطِّراح كثيرٍ من السنن لمعارضتها صحيح َالمكتشفات، ويقينَ العجائب المستحدثات؟!! - يقرر المؤلف في مقدمة كتابه أنه ليس يوجد كتاب ديني تعرض للانتقاد مذْ وضعه مؤلفه مثل صحيح البخاري، وهذا عين الكذب والبهتان، وهو على ما فيه من ذلك قولٌ مدفوع، ورأي فاسدٌ مرجوح، إذ لم يُعلم أحدٌ من أهل العلم في عصر البخاري انتقده في خصوص الصحيح، حتى جاء الإمام الإسماعيلي أبو بكر الجرجاني المتوفى سنة 371هـ فألَّف المستخرج على الجامع الصحيح انتقد فيه صاحب الصحيح في مواضع ليس فيها موضعٌ إلا وذكره شراح البخاري وأجابوا عنه بجوابات علمية رصينة كابن حجر في الفتح وغيره، على أنه يقال إن الإسماعيلي لم يردَّ حديثا من البخاري كردِّ مؤلف الأسطورة، وإنما كان الإسماعيليُّ يستشكل ورود حديث معين على نحو معين، فينبري للاعتراض بأدب جمٍّ ولفظٍ مهذبٍ، ونفَس عالم عارف بمقدار البخاري..لا لأنه يقدِّسه أو يرفعه إلى الإلهية كما يقول الخصوم، بل لأنه عرف أنه أمام عبقرية لا يجود بمثلها الزمان إلا مرة.. ثم جاء على أثَر الإسماعيلي الدارقطنيُّ المتوفى سنة 385هـ فألزم الشيخين بتخريج أحاديث على شرطهما، وانتقد ما انتقد لا على أنه لم يفهمه عقلُه، ولا على أنه غير مستساغ في عقلية زمانه بل إنما انتقد أحاديث رآها لم تبلغ الدرجة العليا في الصحة لكنها في نفسها صحيحة مقبولة، هذا مع التَّجلة للصحيح والتقدير لصاحبه، والإكبار للعمل الرائع الجليل الذِّي قام به مما لم يسبقه فيه سابقٌ، ولا لحقه فيه لاحق.. والطلبة ُالصغار المبتدئون في هذا العلم يحفظون قول الدارقطني الذي يعرف للبخاري منزلته العلميَّة:" لولا البخاري ما راح مسلم أو جاء"، فهل يُستفاد من هذا إلا التعظيم لمقدار البخاري العلمي، والمعرفة بمنزلته الكبيرة في الحديث وعلومه؟ ثم جاء على أثَر الإسماعيليِّ والدارقطنيِّ الحميديُّ محمد بن فتوح الميورقي الأندلسي المتوفى سنة 488هـ فألف كتابه الجمع بين الصحيحين وفيه ذكر ما يتمسكُّ به كثيرٌ من المعاصرين الذين يخاصمون الجامع الصحيح للإمام البخاري- من أنه فيه مقحماتٌ، وهذا غلطٌ فاحش وجناية عظيمةٌ على الحميدي ونسبة للباطل إليه، كيف والحميديٌّ لم يجزم بأن ذلك واقعٌ في الصحيح على جهة القطع والتأكيد، بل إنه قال وهذه عبارته- في رواية جرى ذكْرها وسنعرج عليها بعدُ- :" ...ولعلها من المقحمات التي أقحمت في كتاب البخاري" انظر الجمع بين الصحيحين للحميدي3/490 من طبعة دار ابن حزم بيروت 1423هـ فأين هذا مما تُوهمه عبارة ُكثيرٍ من الطاعنين في هذا العصر- في البخاري من أن الحميدي جزم أن في الصحيح مقحمات، فهو لم يُطلق الحكم بذلك على الصحيح عامة، بل على جزئية محددة هداه فكرُه إلى أنها كذلك، ثم إنه لم يقطع الحكم بذلك ولا جزم به فتراه لهذا استعمل عبارةً تفيد أنه متردد في إمضاء الحكم بالإقحام، مع ما ينضاف إلى ذلك من أنه معظِّم لجناب الصحيح،معترفٌ لصاحبه بالريادة والتقدم في المعرفة بالصحيح وهو صريح عبارته في مقدمة كتابه الذي وردت هذه العبارة فيه، فإنه قال في البخاري ومسلم لما وصف ما قاما به من التحرير والتدقيق للأحاديث:"...وذلك نتيجة ما رُزقا من نهاية الدراية وإحكام المعرفة بالصناعةـ وجودة التمييز لانتقاد الرواية، والبلوغ إلى أعلى المراتب في الاجتهاد والأمانة في وقتهما..." انظر الجمع بين الصحيحين1/73 وبعدُ أهذا كلام حداثي هالك في البخاري غير معترف له بتقدم علمي ولا ريادة حديثية؟!!!.أم أنه كلام معترف للبخاري بفضل السبق إلى تنقيح الحديث وتمييزه إلى صحيح وسقيم، وثابت و معتل ضعيف ؟؟!! ألاَ إنه ليس يُفرحُ بمثل كلام هؤلاء الأعلام فيما ظاهره نقدٌ واعتراضٌ، وتنكيتٌ وانتقادٌ لأن هؤلاء كانوا أشد الناس ذوْدا عن الصحيح ومؤلفه، كما كانوا ألهج الخلق بالانتصار للحقِّ المثبتِ فيه، لا لأنهم كانوا خرافيين أسطورين، أوْ لأن العلوم التقنية ولا المعارف الإنسانية لم تكن متقدِّمة في عصْرهم كما يحلو لمؤلف الأسطورة أن يدعي- بل لأنهم أدهشتهم شدة تحري صاحب الصحيح في كتابه الرائد البديع، وجزموا أن المتأخرين على إياسٍ من اللِّحاق به في المعرفة بضوابط الصَّحيح، والتحري في ذلك، والإتقان لهذا الباب. ولما كان ذلك كذلك انبرى كلُّ متخصص في الحديث بعد عصر هؤلاء المنتقدين إلى الدفع في صدر اعتراضاتهم فأجابوا عنها جوابا علميا بحسب قواعد الصنعة، وضوابط هذا الفن،فالإمام النووي كما نقله عنه البقاعيُّ في النُّكت الوفيَّة بما في شرح الألفية 1/180 من طبعة مكتبة الرشد الرياض 2007م) قال:" إن مما ضعف من أحاديثهما – يعني الصحيحين- مبنيٌّ على علل ليست بقادحة". وأجاب الحافظُ ابن حجر في هدي الساري مقدمة فتح الباري ص 346( طبعة دار الفكر التي بلا تاريخ) عما انتقده الدارقطني من أحاديث حديثا حديثا فكفى وشفى. والحافظُ ابنُ حجر لما وقف على ما تُوهمه عبارة الحميدي التي نقلناها آنفا من القدح في الصحيح حَمِيَ طبعُه، فقال في جوابٍ علمي لا عصبية فيه ولا مسْرح للخرافة ولا للأسطورة بين كلماته:"...وأما تجويزه – يعني الحميدي- أن يُزاد في صحيح البخاري ما ليس منه فهذا ينافي ما عليه العلماء من الحكم بتصحيح جميع ما أورده البخاريُّ في كتابه، لأنه إذا جاز في واحدٍ لا بعينه جاز في كل فردٍ فرد، فلا يبقى لأحد الوُثوق بما في الكتاب المذكور، واتفاق العلماء ينافي ذلك...وقد أطنبتُ في هذا الموضع لئلا يغتر ضعيف بكلام الحميدي فيعتمده وهو ظاهر الفساد" انظر الفتح7/161. قلتُ: كأني بابن حجر المتوفى سنة 852هـ بين ظهرانينا اليوم يرى ويسمع ما يقوله صاحبُ الأسطورة والآخرُ ابنُ الأزرق الأنجريُّ الطنجيُّ عندما يحتجان لاعتراضهما على البخاري بأن الجامع الصحيح بعد جمعه لم يسلم من النقد بعد عصره، وانظر أيها القارئ المنصف الحصيف بماذا حكم ابن حجر – الذي لم يكن في زمان التقنية الثائرة ولا العلوم الطائرة كما يقول مؤلف الأسطورة؟!!- على من تابع الحميدي في قوله؟؟؟ أليس قد حكَم عليه بالضعف وأنه غِرٌّ ساذج...أفيجوزُ بعد هذا أن يرفع علينا اليومَ صحفيُّ أو باحثٌ حرٌّ عقليٌّ يزعمُ أنه أبيٌّ - عقيرتَه يقولُ إنه سائرٌ على درْب المنتقدين، ومقتدٍ بما فعله المعترضون؟؟!!! وتأمل معي أيها القارئ النبيلُ عبارةَ ابن حجر " فلا يبقى لأحد الوُثوق بما في الكتاب" تعرفْ أنَّ غاية هؤلاء الطاعنين المعاصرين هو ما ذكره حافظٌ عاش قبلنا بِقرون متطاولة قد خلت.. وهل يجوز بعد هذا أن يُقال إن الجامع الصحيح للبخاري من أكثر الكتب إثارةً للجدل على مرِّ التاريخ كما ادَّعى ذلك صاحبُ الأسطورة ص8 ونحن نقول له عن أيِّ تاريخٍ تتحدث؟ فإذا كان المقصود تاريخ المشرق العربي فما زال الفُضلاء فيه يُقبلون على هذا الديوان الجليل رواية وحفظا وتفقها واستنباطا حتى نشأت موسوعات شارحة له لم يُعرف مثلها في تاريخ كتبٍ مجموعةٍ من قِبل بشرٍ...ونشأت موسوعات لرجال ورواة هذا الديوان الفريد دارسةً رجلا رجلا وراويا راويا مما ليس يوجد في تاريخ حضارة عرفها تاريخ الحضارة!!!
أم تُرى المؤلفُ يقصد تاريخَ أفقنا المغرب فنحن المغاربة لسنا نعرفُ في تاريخنا المجيد منْ طعن في ذاك الكتاب حتى جاد علينا الزمانُ في هذا العصر بشرذمة من الهالكين في البخاري- وأما في القديم فلن تجد في بلدتنا إلا معظما لجناب الصحيح، راويا له حافظا لأحاديثه، مُنفقا لوقته الثمين في تجويد ضبطه وكتابته ونسْخه، مُستنبطا للدقائق منها باستخراج عجيب، وعقل عبقري..
وللحديث صلةٌ ...وتستمر المعركة..