- درج المؤلف في مقدِّمة الكتاب على أن يهوِّل ما يعتقده كائنا، ويصوِّره في صورة الحقيقة العلمية التي لا يمكن أن يتطرق إليها ظنٌّ أو احتمال، أو أن تتوجه إليها مناقشة أو اعتراض، ليصحَّ له بعدُ رسم الصَّورة الذهنية المطلوبة المفصَّلة بحسب رؤيته النقدية لصحيح الإمام البخاري، حتى إذا أفلح في ذلك- ولن يفلح- سهُل عليه أن يصل بالقارئ لكتابه إلى القناعة الفكرية الجديدة التي يبشِّر به؟
فمن ذلك تصويره لتلك الانتقادات القليلة التي تُعقِّب بها صاحب الصنعة البخاري من قبل أهل التخصص قديما وهم قلة كما تقدم آنفا، ومن المعاصرين الهالكين في الصحيح وهم كثرةٌ وغُثاء- على أنها حملة قوية ضد البخاري وكتابه ص8، فأين القوة وأين الشدة، بل أين النصاعة في الدليل، والوجاهة في الحجة؟ ما رأينا في هؤلاء الهالكين الجدد إلا ترديدا لكلام مسبوق، ورأي مرجوح، ونظر فاسد غير محمود؟ ومن قاد هذه الحملة القوية، وتلك الكرة المسعورة؟؟ ..محمود أبو رية، وزكريا أوزون، وأحمد خليل عقدة، ومحمد حمزة، ومحمد الصباغ، وخديجة البطار، وعدنان إبراهيم ومحمد بن الأزرق الطنجي..وما من واحدٍ من هؤلاء إلاَّ وله زلات في النقد الموجَّه إلى البخاري، وطامَّاتٌ عند الاعتراض على ذاك السيد النبيل في صناعة الحديث، ودُبجت بحوثٌ ودراساتٌ كثيرة في رد الردِّ وبيان ما التبس على هؤلاء فهمُه من أحاديث وقعَت في الصحيح؟؟ والمتأمل في هؤلاء المعترضين يجد أن انتقادهم لا يعدو أن يكون صيحات عابرة في سماء الإعلام الجديد مكتوبه ومنشوره ورقيا أو إلكترونيا...فما هو إلا أنْ يتناولها الباحثون بالنَّقد والتَّمحيص حتى تولي الأدبار، ويُخني عليها الدهرُ فما تسمع بعدُ لها ركزا ولا همسا.
ولذلك كان أثرُ هذه الاعتراضات التي هي في الحقيقة فُقاعات تذهب أدراج الريح والهواء- صِفرا مكعبا في الساحة الفكرية، وشيئا غير مذكور في المجال العلمي، إذْ كما يقولُ المؤلف نفسه معترفا:" أنَّ فئة الشيوخ والفقهاء والمحدثين ظلت في مجملها متمسِّكة بالجامع الصحيح" ص8.
- يخلط المؤلف بين ما هو علمي سائد بين طبقات العلماء وبين ما يراه اعتقادا شخصيا نابعا من قناعة فكرية " متقدمة" أو " تجديدية" فهو يرى في مقدمة الكتاب ص8 أنه إنما كان تمسكُ " الشيوخ" بالبخاري مع النقد الموجَّه إليه في " حملات قوية" لأنهم يعدونه أصح الكتب بعد كتاب الله"، وأنه " فوق النقد"، و" وفوق العقل و" فوق العلم"، و" بل وفوق القرآن نفسه".
وهنا نوقِف المؤلف للتحقيق، ونفتِّش كلامه للتدقيق، منْ هؤلاء الشيوخ الذين قالوا إن البخاري فوق..فوق..فوق؟؟ هل هم من السابقين الأولين، أو المتأخرين الخالفين؟ أم هم من جنسٍ غير جنسنا فنطلبُ منه أن يعرِّفنا بهم فندركَ خيرا كثيرا وفهما جديدا وفتحا في العلم طريفا؟؟
فأما القولُ الحقُّ الذي خُلط بآخر باطلا- في كلام المؤلف- فهو قوله في البخاري إنه أصح الكتب بعد كتاب الله، فهي عبارة لا يكاد يخلو منها كتابٌ ألِّف في الصحيح وبيان شروطه، وتتابعتْ عبارات أهل الحديث وغيرهم على ذلك، حتى كأنه إجماعٌ أو إجماع حقيقي من غير كاف كأنَّ، فلا يقال بعدُ إن الواحد من هؤلاء قد قلد غيره من غير إعمال عقل أو فهم، أو من غير مدارسة أو نقد، فهل كان هؤلاء خرافيين أو أسطوريين، أم كانوا مقلدة مغفلين؟؟
أوَ تعرف منْ هؤلاء الذين نقلوا هذه العبارة في كتبهم وأقرُّوها ولم يُبدوا نقدا لها ولا اعتراضا؟ إنهم علماء الحديث الذين يتقرب ببغضهم أهلُ الحداثة والعلمنة في هذا العصر – إلى الله تعالى إنْ هم صدقوا؟؟ وهم – أعني أهل الحديث- من مختلف الطبقات والمذاهب والعصور، فهل يقال بعدُ إنهم تواطئوا وعلى الكذب اتفقوا؟ وأنهم إنما قلدوا بعضهم بعضا وخشي الآخِر منهم مخالفة الأول، فتتابعوا على التقليد الذي هو عينُ" الرجعية " و" الظلامية"، و"الفكر الجامد"؟؟
فمن هؤلاء الأفاضل من أهل الحديث الأماجد: من أهل القرن السابع الهجري: ابن الصلاح الشهروزدي في معرفة علوم الحديث الذي يقال له المقدمة ص160، والإمام النووي في التقريب ص26 والطيبي في الخلاصة في معرفة الحديث ص36، ومنهم من أهل القرن التاسع الهجري الأبناسي في الشذا الفياح 1/82 وابن الملقن الشافعي في المقنع في علوم الحديث 1/57 والعراقي الحافظ في التقييد والإيضاح 1/25 والجرجاني في كتابه في المصطلح ص16، ومنهم من أهل القرن العاشر السيوطي في تدريب الراوي 1/96 ومنهم من أهل القرن الحادي عشر عبد الحق الدهلوي في مقدمة في أصول الحديث، ومن أهل القرن الثاني عشر الصنعاني الكحلاني اليماني في توضيح الأفكار 1/51، ومن أهل القرن الرابع عشر جمال الدين القاسمي في قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث ص241 وأبو طاهر الجزائري في توجيه النظر ص1/221.
فهؤلاء فضلاء أهل الحديث من قرون مختلفة ومذاهب متعددة مرَّت أنظارُهم على عبارة ابن الصلاح الشَّارعِ لهذا الدَّرْب، الناَّهجِ لهذا المهيَع فلم يخطر في بال واحدٍ منهم أنه مقلدٌ لمن سبقه، ولا مرتكبٌ عظيمة عندما تبنى هذا القول، ولا مروجٌ لــــــــ" خرافة " أن الصحيح مرتبته تلي كتاب الله تعالى كما يدعي ابن الأزرق الطنجي فيما يطلقه من صيْحاتٍ مدوِّياتٍ يَصُكُّ بها الآذان من غير أن يقنع بها ذوي العقول الراجحات؟؟
والمؤلف هنا في ص8 من مقدمة كتابه يفتري الكذب على هؤلاء الأعلام ولا يخشى أن يحاكم حسبةً وانتصارا لهؤلاء النبل الكرام إذ يدعي أن هؤلاء قالوا بأن الجامع الصحيح للإمام البخاري فوق القرآن؟؟ وهذا لعمرُ الله منتهى الجسارة، وغاية الجرأة والنكارة فأين وقف المؤلف وهو الذي لم يتجاوز الإعدادية كما نُقل إلينا – على نصوص هؤلاء الأعلام تصرح بأن البخاري أرفع وأعلى من القرآن الكريم؟ ونحن هنا نجاري سبيلَ بعض المتعقبين من الشباب الذين تدفعهم محبتهم للصحيح وصاحبه أن يركبوا مراكب التحدي- فنقولُ ونحن نتحدى المؤلف أن يأتينا بنقلٍ واحدٍ عن هؤلاء الفضلاء بذاك المدَّعَى،وإننا سنُسهِّل عليه في التحدي ولا نطالبه بكبيرٍ فيه بل نحن نطالبه أن يأتينها ولو بكلام عنهم محتمل لما جزم به وقطع؟؟
فوالله لن يجد المؤلفُ في تراث أهل الحديث بل وعند الفقهاء بل وعند الأصوليين بل وعند علماء العقيدة والفكر بل وعند الأدباء واللغويين – ما يسعفه في هذه الدعوى العريضة التي ربما قرأها عند من ينقل عنه كالمفتون الفاتن زكريا أوزون، أو عند مواقع القرآنيين على الشبكة الدولية.
- يحاول المؤلف أن يبرزَ في صورة المفكِّر المجتهد الذِّي ينظر في الأدلة ( الأحاديث) ويستخرج فقهها ومعانيها التي تنسجم مع روح العصر، وتناسب العقلية المعاصرة، ولذلك تراه في المقدمة لكتابه ص8 و9 يدَّعي أنه قرأ الجامع الصحيح للبخاري وتأمَّل ما فيه من أحاديث وأنه لـــــ"جلالته " العلمية، و " شجاعته " الأدبية، أبى عليه " علمُه"، ومنعه " فهمُه " – أن يقبل أحاديث تسيء إلى مقام الألوهية وجناب النبوة، بل وإلى مقام الإنسان والمرأة؟؟؟
ولقد علِم المنصفون من أهل الحجى أن المؤلف يتبدى من خلال لغته المستعملة في كتابه ليس أهلا لأن يقرأ في الجامع الصحيح للبخاري فضلا عن أن يكون ناقدا للأحاديث الواردة فيه مما لم يفهمه عقله، ولا أدركه لبه؟؟
ولذلك نسأل المؤلف فنقول هل قرأت الجامع الصحيح أو قرئ عليك، ومن حضر تلك الختمة، وفي أي مجلس سُلطاني حصل الختم؟؟
والذي يترجح عندي ويقوى أن المؤلف ناقلٌ عن غيره ممن سبقه إلى الطعن في البخاري وكتابه، وأنه ما عدا ما ذكره هؤلاء الطاعنون ولا جاوزه، فهو سارق في صورة مجدد متحرر، ومقلد في شكل مبدع..
ومن أجل أن يصح للمؤلف أنه مبدع ثاقب الذهن ذكي نابغة، وأنه أتى بما لم تأت به الأوائل، فجَّر في خاتمة مقدمة كتابه ص9 قنبلته الموقوتة فادعى أنه لمع- كذا قال وأي لوامع هذه بل إنها مقامع وليست لوامع- في ذهنه أن يتساءل هل ألَّف البخاري صحيحه؟ أم أُلف له وادُّعي عليه؟؟
وسبحان الله لقد أوشك المؤلف أن يفْضح نفسه، فهو من خشيته أن يكشف أحدٌ سرقاته في كتابه " الأسطورة" بادر إلى اتهام غيره بما هو به ألصقُ على مذهب من قال:" رمتني بدائها وانْسلت"...
ثم لقد بلغ العُجْبُ بالمؤلف مبلغا عظيما حتى زاد عن الحد، وفاق الوصْفَ والعدَّ ، إذ تراه يقول في ص9 إنه سيسقط أسطورة صحيح البخاري من برجها العالي المشيَّد على خرافة تقديس الرجال ورفعهم إلى مرتبة الأنبياء؟؟؟
ونحن قد اتهمنا عيوننا لما قرأنا هذه الدعوى وقلنا إن الرجل قد طار عقله لما اشتدت علته وزاد مرضه فهو يهذي ولا يدري أنه يهذي، ويخبط ولا يدري أنه يخبط؟؟
فهل توقَّف التاريخ ُوأمسكتِ الشمس عن إرسال أشعتها وجمَدت الأرضُ عن دورانها واضطرب نظام الكون وزُلزلت الكواكبُ والنُّجومُ زلزالها- أنْ نبغَ فينا ناشئٌ وليدٌ يقول إنه سيسقط الرفيع الشأن الجليل المكان عن منزلته السامية، ومرتبته العالية؟؟؟
وهل احتاج التاريخُ أن ينتظر هذه المدة الطويلة، والفترة المديدة، حتى يجود علينا بمولود حبَلت به أمُّه طوال هذه القرون الخالية...فلما أجاءها المخاضُ ألقتْ به مبشِّرة بإسقاط الخرافات وطرح النفايات ونبذ الأساطير والترهات عن مقام سيد السادات نبينا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليمات؟؟؟
وللحديثِ صلةٌ وتستمر المعركة....