أول قضية عرض لها المؤلف في كتابه الأسطورة تمهيدا لنسف الجامع الصحيح قضية تدوين الحديث ص17، ومما يلاحظ على صنيع الكاتب في ذلك:
أولا: بروز غرور المؤلف بنفسه واعتداده بها، وبُدُوُّه واثقا من نفسه، إذ وظَّف عبارات تشعر أنه يملك الحقيقة الساطعة التي هي كالشمس في وضوحها، وكالقمر في اكتماله، وكالبحر في هيَجانه، وكالبركان في زلزاله فتراه يستعملُ من ذلك قاموسا مليئا بمثل هذه العبارة:" نناقش كتاب الجامع الصحيح" و" حيث يظن عوام الناس"، و" ...غير أن الحقيقة غير ذلك..." فأين " العلمية " التي يتبجح مثل هؤلاء العقلانيين، بل أين " الموضوعية " التي يتدثر بها مثل هؤلاء " التنويريين"، وأين " العقل" الذي يعلي من شأنه هؤلاء " الأحرار" الموضوعيين؟؟
ثانيا: قضية تدوين الحديث ومناقشتها وإثارتها ليس من مبتكرات مؤلف الكتاب ولا من إبداعاته، وصيحاته المجدِّدة، بل لقد سُبق " مجدِّدُنا" المسكينُ، و" فيلسوفُنا " الناقدُ النِّحريرُ بعشرات المشككين الذين اقتبس " فضيلتُه" من كلامهم و" سرق " سعادتُه" من بنات أفكارهم ما سوَّد به صفحات كتابه، وكان من بين هؤلاء شرذمة من المستشرقين الحاقدين كجولدزيهر ، وطائفة من الخالفين المتأخرين كمحمود أبي رية في كتابه " أضواء على السنة المحمدية"، وزكيا أوزون وغيره من هواة الطعن في" البخاري وصحيحه" أو في السنة النبوية عموما، أو درج على قراءة كتب المستشرقين والحداثيين أو نقل منها أو تابع مواقع القرآنيين على الشبكة كما قد حصل للمؤلِّف الذي سلَخ ما في هذه المواقع وتبجَّح بكونه" أبدع" و" ناقش"، و" درس" و" حلَّل"؟؟ووصل إلى " فكِّ" لغز " الأسطورة"؟؟
ثالثا: طنز المؤلف مستهزئا من" علم الحديث" ص17 وحكى أن " عوام الناس" يعتقدون أن الحديث وحي منزل كالقرآن الكريم، وأن الرسول قد أمر بتدوينه كما قد صنع في الكتاب العزيز وههنا لنا وقفة مع المؤلف من وجوه:
الوجه الأول: ليس عوامُّ الناس هم الذين يعتقدون أن السنة النبوية قسيمة للقرآن الكريم في" المصدرية"، و" الحجية والاستدلال" بل رفعاؤهم وعلماؤهم محدِّثوهم وأصوليوهم، ومؤرِّخوهم وأدباؤهم ومفكروهم وأرباب الحجى فيهم، فهذا الإمام الشافعي- الذي لم يجن أبدا على الإسلام كما حكم بذلك المسمى أوزون ومن قبله نصر حامد أبو زيد يقول- في شرح قوله تعالى من سورة آل عمران الآية164 :" لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين"-:" فذكَر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة فسمعتُ من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله، وهذا يشبه ما قال والله أعلم، لأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله مَنَّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجزْ – والله أعلم- أن يقال الحكمة هنا إلا سنة رسول الله، وذلك أنها مقرونة مع الكتاب، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتَّم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقولٍ فُرضَ إلا لكتاب الله وسنة رسوله لما وصفنا من أن الله جعل الإيمان برسوله مقرونا بالإيمان به".انظر الرسالة للشافعي ص78.
فما رأي الكاتب في الشافعي هل هو من العوامِّ؟؟، وما رأيه في مشايخه وأهل طبقته ممن نقل عنهم هنا رأيهم بخصوص هذه القضيَّة هل هم من العوامِّ أيضا ؟؟ فإنْ قال:" هم عوامُّ، قلنا له فمَن العلماء إذن؟، وإنْ قال بل الشافعي ومشايخه وأهل طبقته من معاصريه من العلماء قلنا له لزمكَ نسْف قولك "، وتهاوى ما بنيْته في كتابك، وتناثر نظام كلامك وتساقطت أسطورتك على رأسك..
الوجه الثاني: يعتقد المؤلف اعتقادا جازما أن تدوين الحديث وكتابته من قِبل بعض الصحابة وكثير من التابعين وطوائف كبيرة من تُباع التَّبع آفة عظيمة، ومصيبة جسيمة، قلتُ: وإنها والله مصيبة داهية، وآفة عظيمة على الكاتب وحزبه من القرآنيين والحداثيين واللادينيين الذين لا يفرحون بسلامة نصوص الإسلام( القرآن الكريم والسنة المطهرة) وصدقها وصحتها، وحِفْظها وبقائها كما نُقلت على أصلها وفصِّها...ولذلك ترى هذا الضرب من المتشكِّكين يخوضون متأسِّفين على اليوم الذي أقبل فيه الصحابةُ على تدوين الحديث النبوي، ومِنْ بعدهم التابعون الأوَّلون والآخرون، إنَّه يومُ نحْسٍ وفضيحة بالنسبة إليهم، وليس يومَ فرحٍ وانتصارٍ للإسْلام وأهله، اسمع إلى المؤلِّف كيف يعلِّق على صنيع عمر في ص18 في عزمه على كتابة السنن واستخارته في ذلك، وأنه ترك ذلك واعتذر بأن قوما كانوا قبلنا كتبوا كتبا فأكبُّوا عليها وتركوا كتاب الله- :"وفعلا من هنا جاءت آفة الحديث وصدق تكهن عمر ..فكل الشيوخ ....انكبوا على الحديث وهجروا كتاب الله لصالح مرويات ظنية الثبوت في غالبيتها".
قلت: وهذا التباكي على صنيع كثير من أهل العلم عندما أقبلوا على تدوين الحديث – من المؤلف ليس مقبولا، كما أن الاحتفاء والاحتفال بصنيع عمر ليس مقبولا، إذ هو رأي لعمر قد رآه خالفه عليه كثير من الصحابة والتابعين في ممارستهم للتدوين، وهو من تشدده واحتياطه، وليس كما فهم المؤلف أن فيه إعمالا للقرآن الكريم دون السن النبوية، فعمر أكرمُ وأتقى لله من أن يرمي بالسنن، أو أن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض..وهو ليس فَرَطَ القرآنيين الهالكين فليس لهم أن يحتجوا بصنيعه ولا بفعله، فإن لذلك كله محامل ووجوه يُخرَّج عليها، وإنْ أباَها المؤلفُ- كما أشار إلى رفضها في ص18 و19 وكابَر فيها ودفَعَها فهي الحقُّ الأبلج الذِّي لا ينبغي أن يُصار إلا إليه.
وقضية تدوين الحديث النبوي زلَّت فيها أقدام المحْدثين المعاصرين من اللادينيين الحاقدين، والعلمانيين الحداثيين، من صحفيين وأدباء وعلماء اجتماع وسياسة ومفكرين، ومغامرين باحثين عن الشهرة الإعلامية والقفزة البهلوانية، والطَّفرة التي تُدخل كتاب كينيز للأرقام القياسية في الافتراء والإرجاف- إذ لم يستحضروا الحقائق التالية:
- - التفريق بين الفعل الثلاثي :" كتَب" و" ودوَّن" و" صنَّف" أو" جمَع"، فعندما نقول، لم يكن الحديث مدوَّنا على عهد رسول الله نكون من الصادقين المصدَّقين، إذْ من لازم ذلك أن الحديث لم يكن داخلا في ديوان يعني كتاب واحد يُضمُّ بعضُه إلى بعض،ويُشدُّ بشدَّاد، وعندما نقول أن ذلك قد حصل في زمن متأخر عن الوفاة النبوية نكون قد أثبتنا حصول الكتابة بمعنى التقييد وتسويد البياض بسواد وذاك الذي يُقال له الخط أو الرقْم، وهو أمرٌ حاصل في زمن النبي وبأمره وتحت نظره وإن شكك فيه المؤلف وحزبه، وقالوا هو مخترع مكذوب، وأنى لهم نفي صحته وعلماء تنقيد الآثار أثبتوه، وإذا رأى المؤلف كما في ص إنكاره، فنحن نبادر إلى إنكار وجوه التاريخي، فهو بالنِّسبة إلينا - لبُعده عنَّا وتنائي الأقطار - إذ نحن في الدار البيضاء وهو في مراكش كما قيل لنا- غير موجودٍ ما لم نره ونُشاهده رأيَ عين مع تواتر الخبر بوجوده؟؟
- - تميز العرب قبل الإسلام بالحفظ القوي، وسيلان أذهانهم بالمرويات شعرا ونثرا، فلما جاء الله بالدين وظفوا ما قد ميزوا به من الوعي الشديد والاستحضار الجيد في حفظ السنن، فلم يحتاجوا إلى تدوينها أو تصنيفها في مصَّنف أوْ جمعها في كتاب جامع، وعدم الجمع أو التدوين أو التصنيف لا يقتضي عدم الكتابة، لقيام الدليل الصحيح والنقل الصريح على وقوع الكتابة، وإن جادل فيه من جادل، لأن المثبت مقدم على النافي الجاحد كما تقول العقول الصحيحة المركَّبة في الفِطر السليمة.
- - ليس هناك تناقضا بين الأحاديث المجيزة للكتابة وبين الأحاديث المانعة لها إذ المنع كان في وقت مخصوص لشخص مخصوص لسبب مخصوص، فلما زالت الموانع وأمنت المخاوف جاء الإذن، وليس صحيحا أن الأحاديث المجيزة اخترعها الشيوخ والفقهاء كما يقول" محدث مراكش وأحوازها الشيخ الهمام إيلال؟"، أو تكلَّفها الوضَّاعون، وإذا كان ذلك كذلك فليثبت ذلك بالدليل العلمي الصحيح الصريح الذي لا مفر من قبوله، وأما الردُّ بمجرد الظنَّ وعدم الثقة بجماهير أهل العلم الذين لا يُتصور منهم التواطؤ على الكذب، فذاك هو الجهل المركَّب، والحمق المكعب؟
- الوجه الثالث: ادعاء المؤلف أن الخلفاء الراشدين وجمع غفير من الصحابة قد أعرضوا عن كتابة الحديث كما في ص19 منقوضٌ بصنيع هؤلاء في الأمر بالكتابة ومبادرتهم إلى الكتابة، فممن كتب أو رغب إلى غيره أن يكتب:
- عمر بن الخطاب نفسه الذي أخرج عنه الخطيب البغدادي في تقييد العلم ص88 بسنده قال:" قيدوا العلمَ بالكتاب"، ومعلومٌ أنَّ العلم المقصود هنا في لسان الصحابة والتابعين ومَنْ جاء بعدهم هو السنة، لا علمَ لهم بعد القرآن الكريم إلا الحديث المنصوصُ المنقول واحدا عن واحد، ورجلا عن رجل، وثقة عن ثقة.
- عمرو بن العاص المتوفى سنة 63هـ الذي قال:" كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله أريد أن أحفظه...".
- أنس بن مالك الأنصاري ت93هـ الذي كانت له صحيفة كتب فيها أحاديث عن رسول الله كما في تقييد العلم للخطيب البغدادي ص94.
- سعد بن عبادة الأنصاري المتوفى سنة 15 هـ وهو من كبار الصحابة، كانت له صحيفة كتبَ فيها أحاديث.
- سمرة بن جندب المتوفى سنة 58هـ وهو من الصحابة كانت له صحيفة فيها أحاديث.
يقول د/ حاكم عبيسان المطيري في كتابه النافع:" تاريخ تدوين السنة وشبهات المستشرقين" ص45:" ...وبهذا ثبتَ أن بعض الصحابة كانوا يكتبون في عهد النبي جزءا كبيرا من الأحاديث والسنن بعد أن أذن لهم رسول الله بالكتابة، فكانت هذه الأحاديث مع كونها معلومة ًمحفوظة ًفي صدورهم مكتوبةً عندهم في صحف أو جلود، كما هو حال الرسائل التي أمر الرسول بكتابتها...".
وبعدُ فأين ما ادَّعاه صاحب الأسطورة من الجمع الغفير من الصحابة الذين لم يدونوا كذا قال في ص 19 وهو هنا يقينا يخلط بين " دوَّن" و" كتَب" ويحتاج ليفهمها أن يكمِّل تعليمه الإعدادي والثانوي والجامعي، ولا يقال هنا إنه عصامي كما وصفه الأنجري قديما ثم تراجع؟ بل العصامي رجلٌ فوق الإعدادي والثانوي والجامعي، فهو جامعٌ لعلم هذه المستويات بل زائد عليها علما وأدبا وفهما.
وأنتَ فدعك مما أجلبَ المؤلفُ من ذاك النصِّ الطويل عمَّن وصفه بالمفكر المصري محمود أبي رية في صفحة 19 و20 من كتابه، ولقد علِم الله من هو هذا المفكر المصري الكبير الذي عوَّل المؤلف عليه ونقل كلامه وأقرَّه مستشهدا به، فهو صاحب " أضواء على السنة النبوية" الكتاب القنبلةُ الذي نسف فيه- زعمَ- السنة، ولقد رد ظلماته د/ يوسف السباعي في كتابه النافع السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، فكفى وشفى قلوب المؤمنين، وأما قلوب المتشككين فلو جئناهم بكل آية معجزة – بكل دليل واضح- لم يؤمنوا...
وللحديث صلة ...وتستمر المعركة..