التَّعْيِيرِ : التوبيخ ؛ من العار ، والعارُ : السُّبَّة والعيب ؛ وقيل : هو كل شيء يلزم به سُبَّة أَو عيب ؛ وهو الانتقاص بنسبة القبائح إليه [1] .
فالتعيير : هو إظهار السوء والقبح وإشاعته في قالب النصح ؛ فمن الناس من يلبس غايته السيئة ثوب النصيحة ، قال ابن رجب - : ومِن أظهرِ التعيير ، إظهارُ السوء وإشاعتُه في قالب النصح ، وزعمُ أنه إنما يحمله على ذلك العيوب ، وكان في الباطن إنما غرضه التعيير والأذى ، فهو من إخوان المنافقين الذين ذمهم الله في كتابه في مواضع ؛ فإن الله تعالى ذمَّ من أظهر فعلاً أو قولاً حسنًا ، وأراد به التوصل إلى غرض فاسد ، يقصده في الباطن ، وعدَّ ذلك من خصال النفاق ؛ كما في سورة براءة التي هتك فيها المنافقين وفضحهم بأوصافهم الخبيثة : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْراً وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [ التوبة : 107 ] ؛ وقال تعالى : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ آل عمران : 188 ] ؛ فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ كَانُوا إِذَا خَرَجَ النَّبِيُّ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَإِذَا قَدِمَ النَّبِيُّ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ ، وَحَلَفُوا ، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ [2] . فهذه الخصال خصال اليهود والمنافقين ؛ وهو أن يظهر الإنسان في الظاهر قولاً أو فعلاً ، وهو في الصورة التي ظهر عليها حسن ، ومقصوده بذلك : التوصل إلى غرض فاسد ، فيحمده على ما أظهر من ذلك الحسن ، ويتوصل هو به إلى غرضه الفاسد الذي هو أبطنه ، ويفرح هو بحمده على ذلك الذي أظهر أنه حسن ، فتتم له الفائدة وتُنَفَّذُ له الحيلة بهذا الخداع ؛ ومن كانت هذه همته فهو داخل في هذه الآية ولا بد ، فهو متوعد بالعذاب الأليم [3] .
فالنصيحة والتعيير كلا منهما ظاهره حسن ، ولكن التعيير باطنه إرادة غرض فاسد ، وانتصار الإنسان لنفسه بسبِّ وتجريح من يكلمه ، وتحقير من يعيِّره ... فشتان بين النصيحة والتعيير .
__
[1] انظر ( لسان العرب ) باب الراء فصل العين ، و( مختار الصحاح ) مادة ( ع ي ر ) .
[2] متفق عليه : البخاري ( 4567 ) ، ومسلم ( 2777 ) .
[3] انظر ( الفرق بين النصيحة والتعيير ) ص 10 ، 11 بتصرف يسير .