كان من أساتذتي القدامى الذين شدوْتُ على أيديهم طرفا من الأدب وعلوم اللسان العربي- أستاذ جزائري أنسيت اسمه لبعد العهد وتعاقب الليل والنهار..كان الرجل يدرسنا في مرحلة الإعدادي العربيةَ وكنا يومئذ شببةً صغارا لم يتكدر طبعنا بشيء يبعدنا عن العربية الفصيحة التي نزل بها القرآن وتكلم بها النبي العدنان..فكنا نتشوف إلى حصة أستاذنا لفصاحة لسانه وجزالة قوله وفخامة لفظه...وكان الرجلُ ذا صولة وصوْتٍ مسموعٍ وهيْبة وبطش بالتلميذ المشاغب...فأُمنتْ في عهده السُّبل، وانتظم التلاميذُ في أيامه الزاهيَّة في سِلك النظام فلم يُعلم منهم قطُّ في مجْلس درْسه إخلالٌ أو سلوكٌ شقيٌّ..بل كان التلاميذُ يومئذ على قلب رجل واحد: رجاحةَ عقْلٍ، ونباهةَ ذكرٍ، وثُقوبَ ذهْن، وإقبالَ فؤادٍ على التحصيل وطلبِ المعالي...ومن نوادر أستاذنا التي لم أحفظها عن غيره ولا رأيتُ مثلها عند سواه، أنه كان إذا قرَّر علينا موضوع إنشاءٍ..منحنا وقتا يسيرا لإنشائه وتدبيجه...ثم لما ينتهي الوقت ينبري هو لقراءة إنشائه لنفسه، بلسان فصيح، ولفظ بليغ، ونبرة تُشعرك أنك أمام مُبدع نِحرير، وكاتبٍ كبير، فما هو إلا أن ينتهي حتى يأمرنا بكتابة ما قد سمعناه منه، فيتبارى التلاميذُ في كتابة ما قد علِق بأذهانهم من أسلوب الأستاذ الأديب...فمنهم المفلقُ المنتهي، ومنهم المتوسط المعتدل، ومنهم المقصِّر المبتدي...لكنهم جميعا يُصيبُ منْ أسلوب الأستاذ وعباراته قدرا يتحفَّظه، وقسطا يتلفَّظه ...فكانت تلك الطريقة البديعة مَدعاة لتعلُّمنا البلاغة والبيان من كلام أستاذنا ولفظه..وليس من القواعد والقوالب الجامدة التي لا تُخرِّج أديبا مُفلقا ولا كاتبا مُجيدا...إذ مِلاك هذا الأمر وأُسّه على الممارسة والدُّربة مع طبع مرهف، وحسٍّ مُواتٍ، وتوفيقٍ من ربٍّ رحيم...